ابن رشد

194

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الغائب تبين لنا من قبل المعرفة بذاته أن كل ما سواه فليس فاعلا إلا بإذنه وعن مشيئته . [ 318 ] فقد تبين من هذا على أي وجه يوجد لنا اكتساب . وأن من قال بأحد الطرفين من هذه المسألة فهو مخطئ ، كالمعتزلة والجبرية . وأما المتوسط الذي تروم الأشعرية أن تكون هي صاحبة الحق بوجوده ، فليس له وجود أصلا . إذ لا يجعلون للإنسان من اسم الاكتساب إلا الفرق الذي يدركه الإنسان بين حركة يده عن الرعشة وتحريك يده باختياره . فإنه لا معنى لاعترافهم بهذا الفرق إذا قالوا : إن الحركتين ليستا من قبلنا ، لأنه إذا لم تكونا « 81 » من قبلنا ، فليس لنا قدرة على الامتناع منهما ، « 82 » فنحن مضطرون . فقد استوت حركة الرعشة والحركة التي يسمونها كسبية في المعنى . ولم يكن هنالك فرق إلا في اللفظ فقط . والاختلاف في اللفظ ليس يوجب حكما في الذوات . وهذا كله بين بنفسه . فلنسر إلى ما بقي علينا من المسائل التي وعدنا بها . [ 9 - مسألة الجور والعدل ] [ 319 ] المسألة الرابعة : في الجور والعدل . وقد ذهبت الأشعرية في العدل والجور في حق اللّه سبحانه إلى رأي غريب جدا في العقل والشرع . أعني : أنها صرحت من ذلك بمعنى لم يصرح به الشرع ، بل صرح بضده . وذلك أنهم قالوا : إن الغائب في هذا بخلاف الشاهد . وذلك أن الشاهد ، زعموا ، إنما اتصف بالعدل والجور ، لمكان الحجر الذي عليه في أفعاله من الشريعة . فمتى فعل الإنسان شيئا هو عدل بالشرع ، كان عدلا . ومن فعل ما وضع الشرع أنه جور فهو جائر . قالوا : وأما من ليس مكلفا ولا داخلا تحت حجر الشرع ، فليس يوجد في حقه فعل هو جور أو عدل ، بل كل أفعاله عدل ( 67 / ظ ) . والتزموا أنه ليس هاهنا شيء هو في نفسه عدل ، ولا شيء هو في نفسه جور .

--> ( 81 ) في جميع النسخ : " تكن " ( 82 ) . س ، ت . " منها " قا : " منهما " .