ابن رشد
179
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 256 ] وإذا كان الأمر هكذا فخارقه صلى اللّه عليه وسلم الذي تحدى به الناس وجعله دليلا على صدقه فيما ادعى من رسالته هو الكتاب العزيز . [ 257 ] فان قيل : هذا بيّن . ولكن من أين يظهر أن الكتاب العزيز معجز وأنه يدل على كونه رسولا ؟ وأنت قد بينت ضعف دلالة المعجز على وجود الرسالة ، فضلا عن تعيين الشخص المرسل بها ، مع أن الناس قد اختلفوا في جهة كون القرآن معجزة . فإن من رأى منهم أن المعجز من شرطه أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة ، وكان القرآن من جنس الأفعال المعتادة عنده ، إذ هو كلام ، وإن كان يفضل جميع الكلام المصنوع ، قال إنما صار معجزا بالصرف ، أعني بمنع الناس عن أن يأتوا بمثله ، لا بكونه في الطور العالي من الفصاحة ، إذ ما شأنه أن يكون هكذا ، فإنما يخالف المعتاد بالأكثر لا بالجنس ، وما يختلف بالأقل والأكثر فهو من جنس واحد . وقوم رأوا أنه معجز بنفسه لا بالصرف ، ولم يشترطوا في « 81 » كون الخارق أن يكون مخالفا بالجنس للأفعال المعتادة ، ورأوا أنه يكفي في ذلك أن يكون من الأفعال المعتادة في غاية يقصر عنها جميع الناس . [ 258 ] قلنا : هذا كله ( - صحيح ) ، كما ذكر المعترض . وليس الأمر في هذا على ما توهم هؤلاء . فكون القرآن دلالة على صدق نبوته عليه السلام ينبني عندنا على أصلين ، قد نبه عليهما الكتاب العزيز « 82 » : [ 259 ] أحدهما أن الصنف الذين يسمون ( 59 / ظ ) رسلا وأنبياء معلوم وجودهم بنفسه . وأن هذا الصنف من الناس هم الذين يضعون الشرائع للناس بوحي من اللّه ، لا بتعلم إنساني . وذلك أنه ليس ينكر وجودهم إلا من ينكر « 83 » وجود الأمور المتواترة ، كوجود سائر الأنواع التي لم نشاهدها والأشخاص المشهورين بالحكمة وغيرها . وذلك أنه قد اتفقت الفلاسفة وجميع الناس ، إلا من لا يعبأ بقوله وهم الدهرية ، على أن هاهنا أشخاصا من الناس يوحى إليهم بأن ينهوا إلى الناس أمورا من العلم والأفعال الجميلة ، بها تتم سعادتهم ، وينهوهم عن اعتقادات فاسدة وأفعال قبيحة . وهذا هو فعل الأنبياء .
--> ( 81 ) . ت : " من " ( 82 ) . ت ، مل 1 : سقط " العزيز " ( 83 ) . ت ، مل 1 : " انكر " .