ابن رشد

166

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

لنعدد « 81 » هذه الآيات ، ونفصل ما نبهت عليه من العناية التي تدل على الصانع والمصنوع ، لما وسع ذلك مجلدات كثيرة . وليس قصدنا ذلك في هذا الكتاب . ولعلنا إن أنسأ اللّه في الأجل ، ووقع لنا فراغ ، أن نكتب كتابا في العناية التي نبه عليها الكتاب العزيز . [ 3 - إنكار الأسباب . . . جحود للصانع ] [ 206 ] وينبغي أن تعلم أن هذا النوع من الاستدلال في غاية المضادة للاستدلال الذي زعمت الأشعرية أنه الطريق إلى معرفة اللّه سبحانه . وذلك أنهم زعموا أن دلالة الموجودات على اللّه تبارك وتعالى ، ليس من أجل حكمة فيها تقتضي العناية ، ولكن من قبل الجواز ، أي من قبل ما يظهر في جميع الموجودات أنه جائز في العقل أن يكون بهذه الصفة وبضدها . فإنه إن كان هذا الجواز على السواء ، فليس هاهنا حكمة ، ولا توجد هاهنا موافقة أصلا بين الإنسان وبين أجزاء العالم . [ 207 ] وذلك أنه إن كان يمكن على زعمهم أن تكون الموجودات على غير ما هي عليه ، كوجودها على ما هي عليه ، فليس هاهنا موافقة بين الإنسان وبين الموجودات التي امتنّ عليه اللّه بخلقها ، وأمره بشكره عليها . فإن هذا الرأي يلزمه أن يكون إمكان خلق الإنسان جزءا من هذا ( 52 / ظ ) العالم ، كإمكان خلقه في الخلاء ، مثلا ، الذي يرون أنه موجود . بل والإنسان عندهم يمكن أن يكون بشكل آخر ، وخلقة أخرى ، ويوجد عنه فعل الإنسان . وقد يمكن عندهم أن يكون جزءا من عالم آخر « 82 » مخالف بالحد والشرح لهذا العالم ، فلا تكون نعمة هاهنا يمتنّ بها على الإنسان ، لأن ما ليس بضروري ولا من جهة الأفضل في وجود الإنسان ، فالإنسان مستغن عنه . وما هو مستغنى « 83 » عنه فليس وجوده بإنعام عليه . وهذا كله خلاف ما في فطر الناس . [ 208 ] وبالجملة فكما أن من أنكر وجود المسبّبات مرتّبة على الأسباب في الأمور الصناعية ، أو لم يدركها فهمه ، فليس عنده علم بالصناعة ولا الصانع ، كذلك

--> ( 81 ) . س . ت ، مل 1 : " لتعدد " . قا : " لنعدد " . ( 82 ) س ثبت في المتن " العالم " ، وصحح في الهامش : " عالم اخر " . ( 83 ) س . " مستغن " .