ابن رشد
16
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الذي حمله لفظ " النظر " في الخطاب العربي الإسلامي : ف " النظر " في هذا الخطاب مصطلح يقال في مقابل " العمل " ، باعتبار أن " العمل " هو مجال الشريعة ( الفقه ) وأن " النظر " هو محال العقيدة ( علم الكلام ) . تاريخ علم الكلام إذن هو تاريخ " النظر " في العقيدة . والنظر منهج ورأي ، طرق في الاستدلال ووجهات نظر مبنية عليها . من هذه الزاوية ، وعلى هذا المستوى ، يمكن التمييز بين أربع لحظات في تاريخ علم الكلام نسمي كل واحدة منها باسم الشخصية التي يرتبط بها التأسيس الرسمي لكل لحظة : هذه اللحظات الأربعة هي : لحظة واصل بن عطاء ، ولحظة أبي الهذيل العلاف ، في مذهب المعتزلة ، ويقابلها في مذهب الأشعرية لحظة أبي الحسن الأشعري ثم لحظة فخر الدين الرازي . لن نتعرض لهذه الأخيرة لأنها تمثل مرحلة جديدة في علم الكلام بأسره أطلق عليها ابن خلدون اسم " طريقة المتأخرين " تمييزا لها عن " طريقة المتقدمين " التي تشمل اللحظات الثلاث الأولى ، وهي لحظة لم يدركها ابن رشد ، وبالتالي فنقده لا ينطبق عليها ، وإن كان انتقاده لابن سينا يصدق عليها لكونها تأسست على المفاهيم التي وضعها هذا الأخير في إطار مسعاه إلى الجمع بين الدين والفلسفة . 3 - واصل بن عطاء : من " العدل " إلى " التوحيد " يعتبر المؤرخون واصل بن عطاء ( 81 - 131 ه ) " شيخ المعتزلة الأول وقديمها " . درس بالمدينة المنورة واستقر بالبصرة حيث لازم مجالس الحسن البصري إلى أن انفصل عنه في جماعة من أصحابه على رأسهم عمرو بن عبيد شريكه في تأسيس الاعتزال النظري وتأصيل أصوله . تنسب إليه كتب الفرق عدة مؤلفات ، وهي في الغالب رسائل أو في حجم الرسائل ، تتناول موضوعات كلامية مختلفة ، منها واحدة في " المنزلة بين المنزلتين " وهي الأصل الاعتزالي الذي ارتبط باسمه وتأسس الاعتزال النظري عليه . لقد كان جواب واصل بن عطاء ، على السؤال الذي طرح على الحسن البصري حول مرتكب الكبيرة : هل هو مؤمن أو كافر ؟ أنه : " لا هو مؤمن مطلقا ولا هو كافر مطلقا بل هو في منزلة بين المنزلتين " ( فاسق : بين منزلة الكفر ومنزلة الإيمان ) . وتنسب إلى واصل بن عطاء ، رسائل أخرى في " العدل والتوحيد " و " التوبة " و " معاني القرآن " و " السبيل إلى معرفة الحق " الخ . . . ولعل أطول مؤلفاته هو ما كتبه في الرد على المانوية ، أصحاب الديانة الفارسية المنسوبة إلى " ماني " والقائلة بإلهين اثنين ، أحدهما للخير والآخر للشر .