ابن رشد

157

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الذات . والذات هي نفس الموجود « 81 » المشترك لجميع الموجودات . فإذن الحواس : إنما تدرك الشيء من حيث هو موجود . [ 179 ] وهذا كله في غاية الفساد . ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول : أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء ، لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود ، لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه ، ولا كان بالجملة يمكن ( - ذلك ) في الحواس : لا في البصر أن يدرك فصول الألوان ، ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات ، ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات . وللزم أن ( 48 / ظ ) تكون مدارك المحسوسات بالجنس واحدا ، فلا يكون فرق بين مدرك السمع وبين مدرك البصر . [ 180 ] وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان . وإنما تدرك الحواس ذوات الأشياء المشار إليها بتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة بها . فوجه المغالطة في هذا ، هو أن ما يدرك ذاتيا أخذ أنه مدرك بذاته . ولولا النشأ ( - النشوء ) على هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها ، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع ، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة . [ 181 ] والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمين بنصرتها ، في زعمهم ، إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة ، التي هي ضحكة من عني بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية ، هو التصريح في الشرع بما لم يأذن اللّه ورسوله به ، وهو التصريح بنفي الجسمية للجمهور . وذلك أنه من العسير أن يجتمع في اعتقاد واحد أن هاهنا موجودا ليس بجسم ، وانه مرئي بالأبصار . لأن مدارك الحواس هي في الأجسام أو أجسام . ولذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت . [ 182 ] وهذا أيضا لا يليق الإفصاح به للجمهور : وإنه لما كان العقل من الجمهور لا ينفك من التخيل ، بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم ، وكان تخيل ما ليس بجسم لا يمكن ، والتصديق بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم ، عدل الشرع عن التصريح لهم بهذا المعنى ، فوصفه سبحانه لهم بأوصاف تقرب من قوة

--> ( 81 ) . جاء في مل 1 " الموجود " ، وراجعه مل 2 ( ص 73 ، هامش 1 ) فرجح " الوجود " . قا : " الوجود " .