ابن رشد

145

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

في الشاهد موجودا بهذه الصفة ، وهي النفس . ولما كان الوقوف على معرفة هذا المعنى من النفس ( - كونها غير جسمية ) مما لا يمكن الجمهور ، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم . فلما حجبوا عن معرفة اليقين ، علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري سبحانه . [ 6 - القول في الجهة ] [ 144 ] وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها للّه سبحانه حتى نفتها المعتزلة . ثم تبعهم ( 42 / ظ ) على نفيها متأخر والأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله . وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة ، مثل قوله تعالى : « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » ( الحاقة 17 ) ، ومثل قوله : « يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » ( السجدة 5 ) ، ومثل قوله تعالى : « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ » ( المعارج 4 ) « 81 » الآية ، ومثل قوله : « أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ » ( الملك 16 ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا . وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها ، لان الشرائع كلها مبنية على أن اللّه في السماء ، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ، وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى . وجميع الحكماء قد اتفقوا أن اللّه والملائكة في السماء ، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك . [ 145 ] والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها ، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان ، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية . [ 146 ] ونحن نقول إن هذا كله غير لازم ، فان الجهة غير المكان . وذلك أن الجهة هي « 82 » إما سطوح الجسم نفسه ، المحيطة به ، وهي ستة . وبهذا نقول إن للحيوان « 83 » فوق وأسفل ، ويمينا وشمالا ، وأمام وخلف . وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم ، ذي الجهات الست . فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست

--> ( 81 ) . س : سقط " إليه " من المتن ، وثبت في الهامش . ( 82 ) . ت : سقط " هي " ( 83 ) . س : " الحيوان " .