ابن رشد

139

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

أنها في الخالق ( 40 / و ) أتمّ وجودا . ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقدوا في الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام ، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن « 81 » تبعهم . [ 132 ] والواجب عندي ، في هذه الصفة ، أن يجرى فيها على منهاج الشرع ، فلا يصرّح فيها بنفي ولا إثبات ، ويجاب من سأل في ذلك من الجمهور بقوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » ( الشورى 11 ) ، وينهى عن هذا السؤال . وذلك لثلاثة معان : [ 133 ] أحدها : أن إدراك هذا المعنى ليس ، هو ، قريبا من المعروف بنفسه برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث . وأنت تتبين ذلك من الطريق التي « 82 » سلكها المتكلمون في ذلك ، فإنهم قالوا : إن الدليل على أنه ليس بجسم : أنه قد تبين أن كل جسم محدث . وإذا سئلوا عن الطريق التي منها يوقف على أن كل جسم محدث ، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرناها من حدوث الأعراض ، وأن ما لا يتعرى عن الحوادث حادث . وقد تبين لك ، من قولنا ، أن هذه الطريق ليست برهانية . ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها . وأيضا فإن ما يضعه « 83 » هؤلاء القوم ، من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على الذات ، يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية ، بدليل انتفاء الحدوث عنه . فهذا هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم . [ 134 ] وأما السبب الثاني فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيّل والمحسوس ، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس « 84 » فهو عدم . فإذا قيل لهم : إن هاهنا موجودا ليس بجسم ، ارتفع عنهم التخيل ، فصار عندهم من قبيل المعدوم ، ولا سيما إذا قيل : إنه لا خارج العالم ولا داخله ولا فوق ولا أسفل . ولهذا اعتقدت الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة ( 40 / ظ ) التي نفتها عنه سبحانه أنها مليّسة « 10 » واعتقد « 85 » الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة .

--> ( 10 ) وردت في جميع النسخ والطبعات هكذا : ملشية . والصواب ما أثبتنا . من ليس . والليس هو النفي ، ضد الأيس . والمعتزلة مليسة : ينفون الصفات ، ويسميهم خصومهم معطلة . والأشاعرة مثبتة لها فهي : صفاتية ( م . ع . ج ) . ( 81 ) س : سقط " من " من المتن . وثبت في الهامش . ( 82 ) س : " الذي " ( 83 ) . س : " يصنعه " ( 84 ) في بقية النسخ " بمحسوس " ( 85 ) . س : " اعتقدوا " .