ابن رشد

124

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 89 ] وأما قوله : « إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ » ، فهذا ردّ منه على من يضع آلهة كثيرة مختلفة الأفعال . وذلك أنه يلزم في الآلهة المختلفة الأفعال ، التي لا يكون بعضها مطيعا لبعض ، ألا يكون عنها موجود واحد . ولما كان العالم واحدا وجب ألا يكون موجودا عن آلهة كثيرة « 81 » متفننة الأفعال . [ 90 ] وأما قوله تعالى : « قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا » ، فهي كالآية الأولى . أعني أنه برهان على امتناع إلهين فعلهما واحد . ومعنى هذه الآية : أنه لو كان فيهما آلهة قادرة على إيجاد العالم وخلقه ، غير الإله الموجود ، حتى تكون نسبته من هذا العالم نسبة الخالق له ، لوجب أن يكون على العرش معه ، فكان يوجد موجودان متماثلان ينسبان إلى محل واحد نسبة واحدة . فإن المثلين لا ينسبان إلى محل واحد نسبة واحدة . لأنه إذا اتحدت النسبة اتحد المنسوب . أعني : لا يجتمعان في النسبة إلى محل واحد ، كما لا يحلّان في محل واحد ، إذا كانا مما شأنهما أن يقوما بالمحل - وإن كان الأمر ( 33 / ظ ) في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه النسبة ، أعني أن العرش يقوم به ، لا أنه يقوم بالعرش . ولذلك قال اللّه تعالى « 82 » : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ « 83 » حِفْظُهُما » ( البقرة 255 ) . [ 91 ] فهذا هو الدليل الذي بالطبع والشرع في معرفة الوحدانية . وإنما الفرق بين العلماء والجمهور . في هذا الدليل ، أن العلماء يعلمون من إيجاد العالم وكون أجزائه ، بعضها من أجل بعض ، بمنزلة الجسد الواحد ، أكثر مما يعلمه الجمهور من ذلك . « 29 » ولهذا « 84 » المعنى الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا : « تُسَبِّحُ « 85 » لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » ( الإسراء 44 ) .

--> ( 29 ) من تحليله لعلاقة النسبة وتطبيقها على الآية موضوع الحديث يتضح الفرق بين معرفة العلماء ومعرفة الجمهور في نظر ابن رشد . فالفرق بينهما هو الفرق بين التحليل الذي قدمه والفهم اللغوي العادي للآية . ( 81 ) . ت . مل 1 ، قا : سقط " كثيرة " . مل 2 عاد فأثبت : كثيرة . ( 82 ) . ت . مل 1 : سقط " تعالى " ( 83 ) . في جميع النسخ صحف لفظ الآية ( البقرة ، 255 ) : " يؤده " ( وفي س " يوده " ) ( 84 ) . س : سقط من المتن " ولهذا " وثبت على الهامش ( 85 ) . س ت مل 1 : صحف لفظ الآية ( الإسراء ، 44 ) : " يسبح " .