ابن رشد

107

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 32 ] ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا : إذا حدث الجزء الذي لا يتجزأ [ ف ] ما القابل « 12 » لنفس الحدوث ؟ فإن الحدوث عرض من الأعراض . وإذا وجد الحادث فقد ارتفع الحدوث ، فان من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر « 81 » ( 25 / و ) فيضطرهم الأمر إلى أن يضعوا الحدوث من موجود ما ، ولموجود ما . [ 33 ] وأيضا فقد يسألون : إن كان الموجود يكون من غير عدم « 13 » فبما ذا يتعلق فعل الفاعل ؟ فإنه ليس بين العدم والوجود وسط عندهم . وإن كان ذلك كذلك . وكان فعل الفاعل لا يتعلق عندهم بالعدم ولا يتعلق بما وجد وفرغ من وجوده ، فقد ينبغي أن يتعلق بذات متوسطة بين العدم والوجود . وهذا هو الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت إن في العدم ذاتا ما . وهؤلاء أيضا يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود بالفعل موجودا بالفعل ! وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء . [ 34 ] فهذه الشكوك ، كما ترى ، ليس في قوة صناعة الجدل حلها . فإذن يجب ألا يجعل هذا مبدأ لمعرفة اللّه تبارك وتعالى ، وبخاصة للجمهور . فإن طريقة معرفة اللّه تعالى أوضح من هذه ، على ما سنبين [ - سيبين ] من قولنا بعد . [ 35 ] وأما المقدمة الثانية ، وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة فهي مقدمة مشكوك فيها . وخفاء هذا المعنى « 14 » فيها كخفائه في الجسم . وذلك

--> ( 12 ) القابل ، الحامل ، الموضوع ، بمعنى واحد : مثل قولك الخشب قابل أو حامل لصورة الطاولة ، أو للسواد أو للبياض . والمشكلة التي يثيرها ابن رشد هنا يمكن التعبير عنها كما يلي : إذا كان كل شيء في العالم جواهر وأعراضا ، كما يقول المتكلمون ، وكان الحدوث عرض ، وكان العرض لا بدّ له من قابل وحامل ، فما القابل ل " حدوث " الجوهر ؟ فلكي ينتقل الجوهر من حالة اللاحدوث إلى حالة الحدوث يجب أن يكون هناك قابل للحدوث سابق على وجود الجوهر ، وهذا يتناقض مع منطلق الأشاعرة الذين يقولون بالخلق من عدم . ( 13 ) من غير عدم : أي من شيء . وذلك بناء على الإلزام السابق الذي يقضي بأن الحدوث لا بد أن يكون من موجود ما . وبما أن فعل الفاعل ، اللّه ، لا يتعلق بالعدم ، لا يفعل في العدم ، فإذن فلا بد من شيء يكون قابلا للحدوث ويتعلق به فعل الفاعل . ومن هنا قال المعتزلة بشيئية المعدوم أي أن المعدوم شيء . يقصدون بذلك أنه " ماهية " : فكرة في عقل الصانع . ( 14 ) هذا المعنى : أي الحدوث : صعوبة إثبات أن جميع الأعراض محدثة كصعوبة إثبات أن جميع الأجسام محدثة ، والصعوبة هنا هي في الحكم على " جميع " الأعراض أو " جميع " الأجسام بالحدوث ، لأننا لم نستقرئ الأعراض كلها ولا الأجسام كلها . ( 81 ) س : سقط " الجواهر " .