ابن رشد
105
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل ، لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه . [ 23 ] إلى ما في هذا كله من التشعيب والشكوك العويصة التي لا يتخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة ، فضلا عن العامة . ولو كلّف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق . [ 24 ] وأيضا فان الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوصفين معا : أعني ( 24 / و ) أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانية . فليست تصلح « 81 » لا للعلماء ولا للجمهور . ونحن ننبه على ذلك هاهنا « 82 » بعض التنبيه ، فنقول ، إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان : [ 25 ] أحدهما وهو الأشهر ، الذي اعتمد عليه عامتهم ( - معظمهم ) ، ينبني على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الأصول لما يرومون إنتاجه عنها من حدوث العالم : إحداها أن الجواهر لا تنفك من الأعراض أي لا تخلو منها ، والثانية أن الأعراض حادثة ، والثالثة أن ما لا ينفك عن الحوادث حادث ، أعني ما لا يخلو من الحوادث هو حادث . [ 26 ] فأما المقدمة الأولى وهي القائلة إن الجواهر لا تتعرى من الأعراض فان عنوا بها ( - الجواهر ) الأجسام المشار إليها ( - المحسوسة ، المشخصة ) ، القائمة بذاتها ، فهي مقدمة صحيحة . وإن عنوا بالجوهر الجزء الذي لا ينقسم ، وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد ، ففيها شك ليس باليسير . [ 27 ] وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ، ليس معروفا بنفسه ( - ليس معطى حسيا ولا بديهة عقلية بل هو نتيجة نظر واستدلال ) ، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند . وليس في قوة صناعة الكلام تخليص الحق منها ، وإنما ذلك لصناعة البرهان ( - الفلسفة : علم الطبيعة ) ، وأهل هذه الصناعة قليل جدا ، والدلائل التي تستعملها الأشعرية في إثباته هي خطابية « 83 » في الأكثر . [ 28 ] وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو أنهم يقولون : إن من
--> ( 81 ) . س : " فليس تصح " ، وثبت نفس الفرق في ت وفي مل 1 . ( 82 ) . ت ، مل 1 : سقط " هاهنا " . ( 83 ) . ت : خطبية .