مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )
414
الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء
وهاهنا معهود وهو ما ذكرنا أنه تعالى ما « 1 » ذكر في القرآن بدأ الخلق الا وقد أراد به التركيب من الجواهر الموجودة ، وقوله تعالى : « خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ » « 2 » وقوله ( تعالى ) « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » « 3 » وقوله ( تعالى ) : « قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ » « 4 » وقوله ( تعالى ) : « أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ » « 5 » إلى غير ذلك . وبدأ الخلق الذي نرى وننظر إليه هو ما نشاهد من التركيب دون الإيجاد عن عدم وعلى هذا تصير الآية حجة عليكم لقوله تعالى : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » « 6 » فيجب أن يكون العود هو الجمع دون الإيجاد عن عدم ثم ولئن سلمنا أنه ليس هاهنا معهود ينصرف إليه ولكن متى يحمل على الايجاد دون الجمع ، إذا أمكن أو لم يمكن ؟ . م ع بيان التعدد أنه تعالى ذكر بدء الخلق بلفظ المضارع فتعذر أن يحمل على الإيجاد . فإن الجواهر موجودة . ولو حملناه على الإيجاد اقتضى إعادة الموجود وأنه محال ، فتعين أن يحمل على الجمع بعد التفريق . ومما ذكر من الإشكال على تمسكهم بهذه الآية فهو لازم عليهم في جميع ما يتمسكون به مما فيه بدء الخلق والعودة . وأما قوله تعالى : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ » « 7 » فنقول لا نسلم أن المراد به ما ذكرتم وذلك لأنه مستعمل في الموت . يقال أفناهم الجرب ، وأفناهم الزمان ، وتفانوا جميعا ، وحكى الشيخ أبو القاسم الكعبي في بعض كتبه أن الفناء عند أهل اللغة هو الموت ، واستشهد لذلك بقول الشاعر : فقوموا إذا ما انسل روحي تهيبا * إلى السدر والأكفان عند فنائيا وكذلك يستعمل في نفاد الشيء وتفرقه حتى يخرج عن كونه منتفعا به فيقال : فنى
--> ( 1 ) مستدركة بالهامش . ( 2 ) العنكبوت ، آية : 19 . ( 3 ) السجدة ، آية : 7 . ( 4 ) العنكبوت 20 ، في الأصل « أو لم يسيروا . . . فينظروا » وهو خطأ الناسخ . ( 5 ) العنكبوت 19 ( في الأصل بدون لفظ الجلالة ) . ( 6 ) الأعراف ، آية : 29 . ( 7 ) الرحمن ، آية 26 .