فخر الدين الرازي
93
القضاء والقدر
تأثير القدرة في حدوث ذلك الفعل ، لا شركة من ذلك المحل . وذلك لأن وجود الشيء جزء من كونه موجدا لغيره فلو كانت هذه القدرة غنية في مؤثريتها عن ذلك المحل ، لكانت غنية أيضا في وجودها عن ذلك المحل . لأنه متى كان المركب غنيا عن شيء ، كان كل واحد من بسيطه أيضا غنيا عنه . فثبت : أن هذه القدرة لو كانت في مؤثريتها في الفعل غنية عن ذلك المحل ، لكانت في وجودها أيضا غنية عن ذلك المحل . وذلك محال . فثبت بما ذكرنا : أن القدرة لو كانت مؤثرة في وجود الفعل ، لكان ذلك التأثير إما أن يكون بشركة من ذلك المحل ، أو لا بشركة من ذلك المحل ، وثبت كون كل واحد من هذين القسمين باطلا . فثبت : أن القدرة غير مؤثرة في حدوث الفعل . وهذا هو دليل الحكماء على أن القوى الجسمانية غير مؤثرة في الوجود أصلا . وباللّه التوفيق البرهان العاشر لو كان فعل العبد يحدث بإيجاد العبد ، لوجب أن لا يجد إلا ما أراده العبد . واللازم باطل ، فالملزوم مثله . بيان الشرطية : أن العبد لما كان قادرا على الأفعال المختلفة ، كان رجحان البعض على الباقي لا يكون إلا بقصده ، فوجب أن لا يقع ، وان لا يحدث إلا ما قصده وأراده . وبيان أنه ليس كذلك : أن العبد يقصد تحصيل العلم الحق ، والاعتقاد الصواب ، فلا يحصل له ذلك ، بل يحصل له الجهل والباطل . ويقصد الإيمان ، فيحصل له الكفر . بل نقول : الإنسان إذا كتب سطرا ، فلو أتى بجميع حيل الدنيا ، حتى يكتب سطرا آخر ، يشابه الأول ، في جميع الكيفيات المحسوسة . لعجز عن ذلك . فثبت بما ذكرنا : أنه لو كان فعله بإيجاده ، لما وقع إلا ما قصد إيقاعه . وثبت : أنه ليس كذلك ، فوجب أن لا يكون فعله بإيجاده . وهذه الدلالة أخذتها من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « عرفت ربي بنقص العزائم ، وفسخ الهمم » . فإن قيل : إنه إنما حصل له هذا الاعتقاد المخصوص ، لأنه ظن أن هذا الاعتقاد علم وحق وصواب . فلهذا السبب اختاره وحصله ورضي به . فالحاصل : أنه إن علم كونه جهلا ، لما رضي به ، ولكنه لما اعتقد فيه أنه هو العلم . لا جرم رضي به واختاره . والجواب : إن هذا باطل من وجهين : الأول : إنه إنما قصد تحصيل هذا الاعتقاد . لأنه كان قد اعتقد أن هذا الاعتقاد : علم . فلو لا تقدم ذلك الجهل ، وإلا لما رضي بهذا الجهل الثاني . فنقول : ذلك الجهل الأول ، كيف