فخر الدين الرازي

89

القضاء والقدر

يحيلان المقدورية ، وما يحيل المقدورية لم يفد صحة المقدورية . ولما ثبت أنه لا مدخل لهما في هذا الباب ، لم يبق إلا الإمكان . والإمكان قضية مشتركة بين كل الممكنات ، فلزم من هذا كون جميع الممكنات مقدورة للعبد . الثاني : إنه لو قدر العبد على إيجاد بعض الممكنات ، لما كان لقدرته تأثير ، إلا في إعطاء الوجود . لأنا بينا في سائر كتبنا بالدلائل الكثيرة : أن وجود الممكنات زائد على ماهياتها « 1 » . ولا يمكن أن يكون تأثير القادر في تكوين الماهيات . فإن الشيء ما لم يكن ممكن الوجود ، لم يتصور أن يكون للقادر فيه تأثير . فتأثير القادر فيه ، مسبوق بكونه في نفسه ممكن الوجود ، وكونه في نفسه ممكن الوجود يقرر ماهيته المخصوصة . لأن إمكانه صفة له ، وصفة الشيء متأخرة بالرتبة عن الموصوف . فثبت : أن تأثير القادر فيه : متأخر عن تقرر ماهيته بمرتبتين . ولو كان تأثير القادر في ماهيته ، لكان تقرر ماهيته متأخرا عن تأثير القادر فيه ، وحينئذ يلزم أن يكون المتقدم على الشيء بمرتبتين ، متأخرا عنه . وذلك محال . فثبت بهذا الوجه : أن تأثير القادر ، تبين في جعل الماهية ماهية ، بل ذلك التأثير في جعلها موجودة . فثبت : أن العبد لو كان قادرا على الإيجاد ، لما كان لقدرته تأثير إلا في إعطاء الوجود . واعلم : أن هذا كلام حسن قوي . إلا أنه يشم منه رائحة : أن المعدوم شيء . فثبت : أن العبد لو كان قادرا على إيجاد بعض الممكنات ، لما كان لقدرته تأثير إلا في إعطاء الوجود . فنقول : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقدر على كل الممكنات . وذلك لأنه لما كان لا تأثير

--> ( 1 ) عرض الإيجي في « المواقف » للمذاهب المختلفة المتعلقة بمسألة الوجود نفس الماهية أو جزؤها أو زائد عليها ؟ فجعلها ثلاثة : الأول : مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري أن الوجود نفس الحقيقة في الكل أي في الواجب والممكن . الثاني : مذهب الحكماء أنه نفس ماهية الواجب وإن زاد في الممكن . الثالث : أن الوجود زائد في الواجب والممكن » ( ص 48 - 49 ) . وهكذا يكون وجود الممكن زائدا على ماهيته في المذهبين الثاني والثالث . ولم ينقل المذهب الأول عن الأشعري صراحة إلا أن أتباعه كأبي منصور البغدادي والرازي أسندوه إليه . وكذلك الإيجي في المواقف ويتحفظ التفتازاني في نسبته إليه . والمذهب الثاني ذكره الفارابي في « عيون المسائل » و « فصوص الحكم » ورسالة في إثبات المفارقات والتعليقات . وهو أيضا مذهب ابن سينا في « الشفاء » و « النجاة » و « الإشارات والتنبيهات » و « المباحث » . وهو مذهب المعتزلة في بعض المنقولات عنهم . والثالث يعزوه الرازي في « نهاية العقول » إلى طائفة عظيمة من المتكلمين وذكر منهم أبا هاشم الجبائي وأصحابه . والرازي رحمه اللّه قد توقف ابتداء في « الإشارة في علم الكلام » في هذه المسألة واستمر متوقفا في « الخمسين في أصول الدين » ، . ولكنه في أواسط حياته نصر مذهب أبي هاشم في « المباحث المشرقية » و « الملخص في أصول الدين » و « شرح الإشارات » و « نهاية العقول » ، وعاد إلى مذهب الأشعري في « المحصل » والتفسير الكبير . ثم أخيرا إلى مذهب أبي هاشم في « المعالم » و « المطالب العالية » . ( عن كتاب الدكتور الزركان : فخر الدين الرازي 166 - 174 ) .