فخر الدين الرازي
81
القضاء والقدر
فعل ، وجب أن يكون قادرا عليه : لزم القطع بكون اللّه تعالى قادرا على مقدور العبد . الحجة السابعة : قادرية اللّه تعالى ، أكمل من قادرية العبد ، فإذا لم يمتنع تعلق قادرية العبد بذلك المقدور ، مع كون تلك القادرية ناقصة ، فبأن لا يمتنع ذلك في قادرية اللّه تعالى ، مع كونها كاملة ، كان أولى . الحجة الثامنة : لو لم يكن مقدور العبد ، مقدورا للّه تعالى . لزم تناهي مقدورات اللّه تعالى . لأن جملة مقدورات اللّه تعالى ، بدون مقدورات العباد : أقل من مجموع مقدورات اللّه تعالى مع مقدورات العباد . وكل ما كان أقل من غيره كان متناهيا . فلو لم تكن مقدورات العباد ، مقدورة للّه تعالى . لزم أن يقال : مقدورات اللّه تعالى متناهية . ولما كان اللازم باطلا ، كان الملزوم أيضا باطلا . وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة فيها إيجاب . وأما المقدمة الثانية : فهي في بيان أن كل ما كان مقدورا للّه تعالى ، فعند وقوعه يجب أن يكون وقوعه بقدرة اللّه تعالى . وتقريره من وجهين : الأول : إن العبد إذا قصد إلى إيجاد مقدوره ، واللّه تعالى أيضا قصد إلى إيجاده في ذلك الوقت . فإما أن يقع ذلك الفعل أو لا يقع . والقسمان باطلان ، فما أدى إليه يكون باطلا . إنما قلنا : إنه يمتنع وقوعه . لأنه لو وقع . لوقع إما بإحدى القدرتين ، وإما بكل واحدة منهما . لا يجوز أن يقع بإحدى القدرتين ، لأن كل واحدة من هاتين القدرتين ، لما فرضنا كونها مستقلة بالإيجاد ، لم يكن وقوع هذا الفعل بإحدى هاتين القدرتين أولى من وقوعه بالثانية . لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن قدرة اللّه تعالى ، أقوى من قدرة العبد . فكان وقوع ذلك المقدور بقدرة اللّه تعالى أولى ؟ لأنا نقول : حصول الجوهر الواحد ، في الحيز الواحد ، في الزمان الواحد ، لا يقبل الأشد والأضعف ، والأقل والأكثر . وإذا لم يكن ذلك الفعل قابلا للتفاوت ، امتنع أن يكون التأثير في إيجاده قابلا للتفاوت . وإذا كان التأثير فيه غير قابل للتفاوت ، امتنع أن يقال : إن قدرة اللّه أولى بالتأثير من قدرة العبد . نعم قدرة العبد لا تتعلق إلا بهذا المقدور ، وقدرة اللّه تعالى متعلقة بها وبسائر المقدورات . إلا أن التفاوت بين قدرة اللّه وبين قدرة العبد ، إذا ظهر بالنسبة إلى هذا المقدور الواحد . فإنه لا يقبل التفاوت . فثبت بما ذكرنا : أنه يمتنع أن يقال : إن ذلك المقدور يقع بإحدى القدرتين دون الثانية . وأما القول بأن ذلك المقدور يحصل بكل واحدة من هاتين القدرتين . فهذا أيضا محال . لأن الأثر مع المؤثر المستقل التام ، يكون واجب الحصول ، وكونه واجب الحصول ، يمنعه من الاستناد إلى الغير والافتقار إلى الغير فلو اجتمع على هذا المقدور الواحد : قادران مستقلان بالتأثير ، كان ذلك المقدور لكونه مع هذا القادر : واجب الحصول . ووجوب حصوله به ، يمنعه من الاستناد إلى القادر الثاني ، وكونه مع القادر الثاني ، يمنعه من