فخر الدين الرازي
79
القضاء والقدر
تعلق قدرة اللّه تعالى به . إذ لو لم تتعلق قدرة اللّه تعالى به ، مع أنه يصح تعلق قدرته به ، لكان تعلق قدرته ببعض المقدورات دون البعض : ترجيحا لأحد طرفي الجانب على الآخر . وذلك لا يحصل إلا لمخصص قادر . فيلزم : أن لا يصير اللّه تعالى قادرا على مقدوراته ، إلا لأجل أن شيئا آخر قدر عليه . ولما كان ذلك في حق اللّه تعالى محالا ، علمنا : أنه قادر على جميع المقدورات ، فوجب القطع بكونه تعالى قادرا على مقدور العبد . الحجة الثالثة على أنه تعالى قادر على مقدورات العباد : وهي : إنه لا شك أن اللّه تعالى قادر على بعض الممكنات . فكون ذلك البعض ، بحيث يصح أن يكون مقدورا للّه تعالى ، وجب أن يكون معللا بإمكانه . لأنا لو رفعنا الإمكان ، بقي . إما الامتناع ، وإما الوجوب . وهما يحيلان المقدورية . وما كان مانعا من الشيء ، لا يكون علة لحصوله . ولما خرج الوجوب والامتناع عن أن يكونا علة لصحة المقدورية ، بقي الإمكان مانعا لهذه العلية . فثبت : أن الذي لأجله يصح في بعض الممكنات أن يكون مقدورا للّه تعالى ، حاصل في جميع الممكنات ، فوجب القطع بأن جميع الممكنات يصح عليها أن تكون مقدورة للّه تعالى . ولما ثبت عموم هذه الصحة فلو تعلقت قدرة اللّه ببعضها دون بعض لزم الافتقار إلى المخصص ، وهو محال . فثبت : أنه تعالى قادر على جميع الممكنات . الحجة الرابعة : لا شك أنه تعالى قادر على نقل ذلك الجسم ، من ذلك الحيز إلى الحيز الثاني . وأيضا : العبد قادر عليه . فلو لم يكن مقدور العبد مقدورا للّه تعالى ، لكان ذلك الانتقال ، الذي حصل بقدرة العبد : مميزا عن ذلك الانتقال الذي حصل بفعل اللّه تعالى ، قبل دخولهما في الوجود . لأنه قبل دخولهما في الوجود ، صدق على أحدهما أنه يجب أن يكون مقدورا للّه تعالى ، ويمتنع أن يكون مقدورا للعبد ، وصدق على الثاني أنه يجب أن يكون مقدورا للعبد ، ويمتنع أن يكون مقدورا للّه تعالى . والتباين باللوازم والصفات ، موقوف على التباين بالحقائق والماهيات . فثبت : أنه لو لم يكن مقدور العبد ، مقدورا للّه تعالى ، لوجب أن يكون الانتقال الذي هو مقدور للعبد ، مميزا عن الانتقال الذي هو مقدور للّه تعالى ، قبل الدخول في الوجود . إلا أن هذا محال لوجهين : الأول : إنه يلزم منه كون المعدوم شيئا ، وهو محال « 1 » .
--> ( 1 ) قال الفخر الرازي في « محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين » : « زعم أبو يعقوب الشحام وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأبو الحسين الخياط وأبو عبد اللّه البصري وأبو إسحاق ابن عياش والقاضي عبد الجبار بن أحمد وتلامذته أن المعدومات الممكنة قبل دخولها في الوجود ذوات وأعيان وحقائق وأن تأثير الفاعل ليس في جعلها ذوات بل في جعل تلك الذوات موجودة » ( ص 83 ) . وقال أيضا « المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت ولا نزاع في أنه نفي محض وإما أن يكون ممكن الثبوت وهو عندنا وعند أبي الهذيل وأبي الحسين البصري من المعتزلة نفي محض خلافا للباقين من المعتزلة . . » ( ص 78 ) . ويقرر في أصول الدين أن « المعدوم ليس بشيء » ( ص 30 ) . وقد كان المعتزلة قبل الشحام يقولون بأن -