فخر الدين الرازي

77

القضاء والقدر

الفصل الثاني في تقرير الدلائل الدالة على أن قدرة العبد غير مؤثرة في خروج شيء من العدم إلى الوجود البرهان الأول فعل العبد : ممكن . وكل ممكن فهو واقع بقدرة اللّه تعالى . ينتج : أن فعل العبد واقع بقدرة اللّه تعالى . أما أن فعل العبد ممكن : فلا نزاع فيه . وأما أن كل ممكن فإنه لا يقع إلا بقدرة اللّه تعالى . فالدليل عليه : أن الإمكان من حيث إنه هو إمكان : مفهوم واحد في كل الممكنات . والإمكان محوج إلى السبب . فإما أن يحوج إلى سبب بعينه ، أو إلى سبب لا بعينه . بل يحوج إلى سبب ما مبهم ، أيّ سبب كان . وهذا الثاني باطل . لأن المبهم في نفسه لا وجود له البتة في الأعيان . لأن كل ما له حصول وثبوت في الأعيان ، فله في نفسه تعين وتميز ، يمتاز به عما سواه . فثبت : أن كل ما كان موجودا في الأعيان ، فهو في نفسه معين . فما لا يكون في نفسه معينا ، امتنع كونه موجودا في الأعيان ، وما لا يكون موجودا في الأعيان ، امتنع أن يكون سببا لوجود غيره في الأعيان . فثبت : أن الإمكان سبب للاحتياج إلى سبب ، وثبت : أنه يستحيل أن يكون سببا للاحتياج إلى سبب مبهم ، فوجب أن يكون سببا للاحتياج إلى سبب معين . فإذا كان الإمكان أمرا واحدا في جميع الممكنات ، لزم القطع بافتقار جميع الممكنات إلى ذلك الشيء الواحد بعينه ، وما احتاج إليه كل الممكنات ، لم يكن من الممكنات ، وإلا لزم افتقار الشيء إلى نفسه . فوجب أن يكون واجبا لذاته . فثبت : أن جميع الممكنات لا يوجد شيء منها إلا بإيجاد الواجب لذاته . وذلك هو المطلوب : فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : الإمكان سبب للحاجة إلى السبب ، من حيث هو سبب . ولا شك أن السبب من حيث إنه سبب : أمر متعين في نفسه وذاته . والجواب : إن كونه تعالى موجبا أو مؤثرا إما أن يكون هو نفس ذاته المخصوصة ، وإما أن يكون أمرا زائدا عليها . فإن كان الأول فقد حصل المقصود . لأنه لما كان ذاته المخصوصة ، وكون تلك الذات المخصوصة سببا ومؤثرا في الغير : أمرا واحدا ، والإمكان علة للانتساب إليه ،