فخر الدين الرازي

71

القضاء والقدر

البرهان الثامن لو حدث بقدرة العبد شيء ، لامتنع أن يقال : إنه إنما صدر عنه هذا الفعل ، لأنه صدر عنه فعل آخر . وإلا لزم التسلسل وهو محال . بل لا بد وأن تنتهي أفعال العبد إلى فعل أول صدر عنه ذلك الفعل ، لا بواسطة فعل آخر منه ، فنقول : صدور ذلك الفعل عنه ، لا بد وأن يكون لأجل اتصاف ذاته بصفات حصلت بتخليق اللّه تعالى فنقول : ذاته مع مجموع تلك الأمور المعتبرة في كونه موجدا لذلك . إما أن يكون كافيا في صدور ذلك الأثر عنه ، أو لا يكون . فإن كان كافيا ، كان الفعل مع ذلك المجموع واجبا . إذ لو لم يجب ، لجاز أن يتخلف . ولو جاز أن يتخلف ، لكان صدور الأثر عن ذلك المجموع ممكنا ، لا واجبا . فكان يفتقر إلى زائد آخر . ولو كان كذلك ، لما كان الحاصل قبل ذلك كافيا في صدور الأثر عنه . وكنا قد فرضناه كذلك . هذا خلف . فثبت : أن حصول الأثر عند ذلك المجموع ، يكون واجبا . وهو الجبر . وأيضا : إذا كان حصول الأثر عند حصول ذلك المجموع غير واجب . بل يجوز أن يحصل الفعل تارة ، وأن لا يحصل أخرى ، ولم يكن تميز حصول الفعل عن لا حصوله ، بأمر آخر يضمه العبد إلى المجموع ، الذي كان حاصلا . فحينئذ يكون حصول الفعل محض الاتفاق . وهذا أيضا محض الجبر . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : ذات العبد مع مجموع العبد مع مجموع تلك الأمور : غير كاف في كونها مصدرا لذلك الفعل . فحينئذ لا بد من ضم شيء آخر إليه ، وذلك الأمر الآخر ، إن كان فعلا له ، فهو محال . وإلا لزم أن يحصل فعل ، قبل حصول أول الأفعال . وذلك محال . وإن لم يكن فعلا له ، بل كان فعلا للّه تعالى ، فعند حصوله قد تم كل ما لا بد منه في كونه مصدرا لأفعاله . فإما أن يكون صدور أفعاله عنه واجبا ، أو لا يكون وحينئذ يعود التقسيم المذكور بعينه . فثبت : أن حصول الفعل عند حصول كل ما لا بد منه في المؤثرية : واجب . وثبت : أن عند فقدان كل تلك الأمور ، وعند فقدان بعضها ، يكون صدور الفعل عن العبد ممتنعا . وعلى هذا التقدير ، فإنه يكون القول بالجبر لازما . وباللّه التوفيق البرهان التاسع نقول للمعتزلة : إذا جوزتم كون العبد موجدا . فما الأمان من أن يكون محدث المعجزات واحدا من الشياطين والأبالسة . وعلى هذا التقدير فإنه يخرج المعجز من أن يدل على الصدق ؟ . قالوا : الدليل دل على أن غير اللّه لا يقدر على خلق الجسم والحياة . وتقرير ذلك الدليل ، أن نقول : لو قدر أحد من الخلق على ذلك ، لكان ذلك القادر . إما أن يكون قادرا لذاته ، وإما أن يكون قادرا بالقدرة . والقسمان باطلان ، فبطل القول بكون أحد من الخلق قادرا على خلق