فخر الدين الرازي
69
القضاء والقدر
والكذب هو الخبر الذي لا يطابق . ولما كان هذان الوصفان متقابلين بالسلب والإيجاب ، كان أحد ما لا محالة صفة ثابتة موجودة . وإذا كان كذلك ، وجب أن يحصل له موصوف معين . وحينئذ يحصل المطلوب . ولا ينافي مذهبنا أن الصدقية والكذبية وصفان سلبيان ، لأن الوصف السلبي لا بد له أيضا من محل معين . لأن هذا السلب عبارة عن عدم شيء عن شيء من شأنه أن يكون حاصلا له فما لم يحصل إمكان حصول ذلك الوصف لذلك الموصوف ، امتنع أن يحكم الذهن بزواله عنه . فثبت : أنه وإن كان سلبيا إلا أنه لا بد له من محل معين . الثاني : وهو إنه إذا كان هذا الطرف بعينه خاليا عن الصدقية والكذبية ، كان مجرد قولنا : « زيد غدا يمشي » : خاليا عن كونه كاذبا ، وخاليا عن كونه صادقا . فتكون هذه القضية بعينها خالية عن النقيضين معا . وذلك محال ، وكذا القول في الطرف الآخر . لا يقال : إنه وإن خلا عن الصدقية بعينها ، والكذبية بعينها ، لكنه ما خلا عن كونه . إما صدقا وإما كذبا . لأنا نقول : هذا الإيهام إنما يقع في الأذهان . أما في الأعيان . فالحاصل إما وصف الصدقية ، وإما وصف الكذبية . فإذا كانت القضية خالية عنهما معا ، لزم خلوهما عن النقيضين . وهو محال . واعلم : أن هذا البرهان قد دل على أن جميع الحوادث المستقبلة ، مترتبة في أنفسها ترتبا ، يمتنع على المتقدم أن يصير متأخرا ، أو على المتأخر أن يصير متقدما . وذلك يبطل الاعتزال بالكلية . ثم إنا إذا أردنا أن نبين أن ذلك الوجوب إنما حصل بإيجاب اللّه تعالى وبتقديره . قلنا : إن ذلك الموجب يمتنع أن يكون بالذات . لما ثبت : أن الممكن لذاته ، لا يكون واجبا لذاته . بل لا بد وأن يكون واجبا بالغير . وذلك الغير ليس هو العبد . لأن هذا الوجوب حاصل قبل قصد العبد إلى إيجاده ، بل حاصل قبل وجود العبد . وكيف . وهذا الوجوب الذي قررناه كان حاصلا من الأزل إلى الأبد . ولا بد وأن يكون المقتضى لذلك الوجوب أمرا كان مستمرا من الأزل ، وما ذاك إلا اللّه سبحانه . فثبت : أن هذا الوجوب إنما حصل في هذه الحوادث المستقبلة ، بتقدير اللّه وبإيجاده إما ابتداء وإما بواسطة . وذلك هو المطلوب . وهذا برهان شريف ، لا بد من التأمل فيه ، ليحصل الوقوف عليه ، كما ينبغي . وباللّه التوفيق البرهان السابع أفعال العباد معلومة الوقوع للّه تعالى . أو معلومة اللاوقوع . وكل ما هو معلوم الوقوع ، كان واجب الوقوع . وكل ما هو معلوم اللاوقوع ، كان واجب اللاوقوع . وكل ذلك قد تقدم تقريره . فنقول : ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون ذلك الوجوب إما بسبب : أن اللّه رجح