فخر الدين الرازي
62
القضاء والقدر
الثالث : إنه تعالى حكى عن الكفار في « حم » السجدة أنهم قالوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ . وَفِي آذانِنا وَقْرٌ « 1 » وإنما ذكر تعالى هذه الحكاية عنهم ، ذما لهم على هذا القول . ولو كان العلم بعدم الإيمان ، مانعا من الإيمان . لكانوا صادقين في هذا القول . فلم ذمهم عليه ؟ . الرابع : إنه تعالى إنما أنزل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . سَواءٌ عَلَيْهِمْ إلى قوله : لا يُؤْمِنُونَ « 2 » : ذما لهم ، وزجرا لهم ، عن الكفر ، وتقبيحا لفعلهم . فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان ، غير قادرين عليه : ما استحقوا الذم البتة . بل كانوا معذورين فيه . كما يكون الأعمى معذورا في أن لا يرى ، والزّمن في أن لا يمشي . الخامس : القرآن إنما أنزل ليكون حجة للّه ولرسوله على الكفار ، لا أن يكون حجة للكفار على اللّه وعلى رسوله . ولو كان العلم والخبر مانعين عن الإيمان ، لكان لهم أن يقولوا : لما اعترفت بأن اللّه علم الكفر منا ، وأخبر عن حصول الكفر فينا - وهذا من أعظم الموانع لنا عن الإيمان - فلم يطلب المحال منا ؟ ولم يأمرنا بالمحال ؟ ومعلوم : أن هذا مما لا جواب للّه لرسوله عنه ، لو ثبت : أن العلم والخبر يمنع عن الإيمان « 3 » . السادس : إنه تعالى قال : فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ « 4 » ولو أنه أمر بالإيمان ، مع حصول المانع منه : لما كان « نعم المولى ونعم النصير » بل كان بئس المولى وبئس النصير . ومعلوم : أن ذلك : كفر . فثبت بهذه الوجوه : أن علم اللّه بعدم الإيمان ، وخبره عن عدم الإيمان : لا يدل على كون ذلك الإيمان ممتنع الحصول . وأما الجواب على سبيل التفصيل : فاعلم : أن للمعتزلة فيه طريقين :
--> ( 1 ) سورة فصلت الآية 5 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 6 . ( 3 ) هذه الحجة فيها تلبيس . حيث أن علم اللّه متعلق بحال الإنسان ماض وحاضر ومستقبل . بينما الإنسان لا يعلم في حين سماعه الوحي أو في حال كفره ما ذا سيكون حاله مستقبلا بعد هذه اللحظة وانطلاقا منها . كما أنه لا يعلم ما ذا يعلم اللّه سبحانه وتعالى عنه فيما يتعلق بحاضره ومستقبله . وهنا ينصب التكليف على هذا الزمن غير المعلوم الوقوع أو حدوث الفعل فيه وعدم حدوثه . فاللّه سبحانه وتعالى لم يأمر بالمحال إلا إذا علم الإنسان أو أعلمه اللّه تعالى ما ذا سيحدث منه من كفر وإيمان مستقبلا ، ولا حجة للإنسان أو الكافر إذن طالما أن حجته مبنية على الجهل ! ! . ( 4 ) سورة الحج الآية 78 .