فخر الدين الرازي
60
القضاء والقدر
بإعدام علمه وبتجهيله وبتكذيبه . وكما أنه لا يليق بحكمته أن يأمر عباده بأن يعدموه ، فكذلك لا يليق بحكمته أن يأمرهم بأن يعدموا علمه . لأن إعدام ذات اللّه تعالى وصفاته ، ليس في طاقته . فكان الأمر سفها وعبثا . وهو على الحكيم محال . فدل هذا : على أن العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود . الخامس : إن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات ، نظرا إلى ذاته وعينه . فوجب أن يعلمه اللّه من الممكنات الجائزات . إذ لو لم يكن كذلك ، لكان ذلك العلم جهلا ، وهو محال . وإذا كان علم اللّه من الممكنات الجائزات ، التي لا يمتنع وجوده ولا عدمه - ولو صار بسبب العلم واجبا - لزم أن يجتمع على الشيء الواحد : كونه من الممكنات ، وكونه ليس من الممكنات . وهو محال . السادس : إن الأمر بالمحال : عبث وسفه ، فلو جاز ورود الشرع به في بعض الصور ، لجاز وروده به في بقية الصور . فوجب أن لا يمتنع من الباري تعالى : أن يظهر المعجزات على أيدي الكاذبين ، وأن لا تمتنع أقوال الكتب المشتملة على الكذب والأضاليل . وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء عليهم السلام ، ولا بصحة القرآن . بل يجوز أن يكون كله كذبا . ولما بطل ذلك ، علمنا : أن العلم بعدم الإيمان ، والخبر عن عدم الإيمان ، لا يقتضي انقلاب الإيمان محالا . السابع : لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة ، لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصحف ، وورود أمر الزّمن بالطيران في الهواء ، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه ، وألقي من شاهق جبل : لم لم يطر إلى الفوق ؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول ، علمنا : أنه لا يجوز ورود الأمر بالمحال . ثم إنا أجمعنا على أن اللّه تعالى أمر من علم منه أنه لا يؤمن . فدل ذلك على أن العلم بالعدم ، لا يدل على الامتناع . الثامن : لو جاز ورود الأمر بالمحال ، لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات ، وإنزال الكتب عليها ، وإنزال الملائكة عليها ، لتبليغ التكاليف إليه ، حالا بعد حال . ومعلوم أن ذلك سخرية ، وتلاعب بالدين . التاسع : إن العلم بوجود الشيء ، لو اقتضى وجوبه ، لأغنى هذا العلم عن الإرادة والقدرة ، فوجب أن لا تدل حدوث الأفعال على كونه تعالى قادرا مريدا . وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب . العاشر : الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد . قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ