فخر الدين الرازي

314

القضاء والقدر

جانب الضلال ، بدلا عن جانب الهدى ، لا يمكن إلا لمرجح . وذلك المرجح ليس إلا اللّه .

--> وعلى هذا التقدير لا يكون ذلك إنعاما بل يكون محض العبث . وذلك في حقه تعالى عبث . الحجة الثالثة : إن الخلق والتكليف يدلان على أن أفعال العباد لا يجب انطباقها على رعاية مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم . . . الحجة الرابعة : لو كان حكم العقل في التحسين والتقبيح معتبرا لصح من اللّه تكليف عباده بمعرفته وبالثناء عليه وبالشكر لنعمه وهذا باطل فذاك باطل . الحجة الخامسة : لو صح ذلك لقبح منه تكليف من علم أنه يكفر . وهذا باطل فذاك باطل . الحجة السادسة : لو صح ذلك لزم منه أن يقبح في الخلق وذلك باطل فهذا باطل . الحجة السابعة : لو كان حكم العقل بالتحسين معتبرا في أفعال اللّه تعالى لقبح منه أن يقول للعبد : إن فعلت الفعل الفلاني أو تركت الفعل الفلاني عاقبتك وبالاتفاق هذا لا يقبح . فوجب أن يكون العقل معزولا في هذا الحكم . الحجة الثامنة : لو كان معتبرا لقبح من اللّه تعذيب الكفار والعصاة وهذا باطل . الحجة التاسعة : قصة المرأة التي كان لها ثلاثة أولاد : مؤمن مات في كبره وكافر فاسق مات في كبره وصغير مات في صغره . ( وهي المسألة التي أوردها الأشعري على الجبائي - أبي علي - ) . الحجة العاشرة : لو كانت أفعال اللّه تعالى واقعة على وفق المصالح لكان من الواجب إبقاء الأنبياء والأولياء والصالحين . وإماتة الأبالسة والشياطين . لكن الأمر بالعكس منه . الحجة الحادية عشرة : الأصول الحاملة على المعصية أكثر من الأحوال الحاملة على الطاعة وذلك قبيح في العقول . . . الحجة الثانية عشرة : أن نقول الفعل الذي يفعل اللّه تعالى لغرض من الأغراض إما أن يكون حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله . أو لا تحصل هذه الأولية . فإن كان الأول لزم أن يكون إله العالم باقتضاء لذاته مستكملا بغيره وهو محال . وإن كان الثاني فالاستواء يناقض الرجحان . فالقول بأن الفعل والترك بالنسبة إليه على السواء يمنع من كونه فاعلا له . . . الحجة الثالثة عشر : إنه تعالى لو فعل فعلا لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل . وإن كان حادثا كان إحداثه لغرض آخر ولزم التسلسل وإنه محال . الحجة الرابعة عشر : أفعال العباد إما اضطرارية وإما اتفاقية وعلى التقدير فالقول بالحسن والقبح العقليين باطل . . ( تفصيل الحجة قائم على مبدأ الترجيح الذي نادى به الرازي ) . الحجة الخامسة عشر : إن خالق جميع المحدثات هو اللّه تعالى . وعليه فلا يقبح من اللّه تعالى شيء . الحجة السادسة عشر : المعقول من الوجوب كون الفعل بحال يستحق تاركه الذم على بعض الوجوه . وحصول هذه اللازمة في حق اللّه تعالى محال . لاستلزامها : أن الذم عن قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل يلزم منه تألم قلب الإنسان ونفرة طبعه واختلال مصالحه . الحجة السابعة عشر : استحقاق الذم حكم ثابت وكون الفعل ظلما يعتبر فيه قيدان عدميان وهما كونه غير مسبوق بحياته وكونه غير ملحوق بعوض جائز . فلو كان كونه ظلما يوجب استحقاق الذم لكان القيد العدمي جزءا من علة الحكم الوجودي وهو برهان . الحجة الثامنة عشر : الصدق عبارة عن الخبر المطابق للمخبر عنه . والكذب هو غير المطابق . وهما داخلان تحت جنس الخبر والخبر نوع داخل تحت جنس الكلام والكلام عبارة عن اللفظة المؤلفة من الحروف المتعاقبة المتوالية والموجود منها أبدا ليس إلا الحرف الواحد وعند انقضائه يحصل الحرف الثاني وعلى هذا الترتيب حتى يحصل هذا الترتيب حتى يحصل الحرف الأخير من الكلمة - وحينئذ تتم الكلمة . فعلى هذا : الكلمة لا وجود لها البتة في شيء من الأحوال والأزمنة . وإنما الموجود منها هو الحرف الواحد وهو ليس كلاما واحدا وليس بخبر صدق ولا كذب . فيمتنع أن يوجب كونه حسنا أو قبيحا . . . الخ . الحجة التاسعة عشر : لو قال أحدهم لآخر : سأقتلك غدا وأنهب أموالك وأسبي أولادك على سبيل الظلم