فخر الدين الرازي

284

القضاء والقدر

فأضافوا الخطأ إلى أنفسهم . وأما بيان أن الكفار اعترفوا بذلك فهو قوله تعالى حكاية عنهم رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا . فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً « 1 » والاستدلال بهذه الآية من وجهين : الأول : إن الكفار أضافوا الإضلال إلى سادتهم وكبرائهم ، ولم يقولوا : إلهنا أنت أضللتنا . والثاني : إنهم قالوا : رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً وإنما ذكروا ذلك جزاء لهم على إضلالهم . فلو كان الإضلال من اللّه . فانظر ما يلزم . وأيضا : حكى اللّه عن الكفار أنهم قالوا : وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ « 2 » وأما بيان أن إبليس اعترف بذلك . فهو قوله تعالى حكاية عنه لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً « 3 » وهذا نص صريح في أن متابعة الشيطان إنما حصل بسبب الشيطان لا لأن اللّه تعالى أضلهم . قال الشيطان : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وهذا اعتراف منه بأن الإضلال ليس من اللّه . ثم قال : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ « 4 » وهذا صريح في ذلك . ثم قال : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ « 5 » وهذا تهديد ووعيد على من فعل ذلك . ولو كان ذلك من خلق اللّه ، فكيف يليق إلحاق الوعيد والتهديد به ؟ فثبت بمجموع ما ذكرنا : أن الإله والأنبياء والمؤمنين والكافرين وإبليس اللعين ، اعترفوا بأن هذه الذنوب ليست من اللّه . فمن قال إنها من اللّه فقد خالف الصديق والزنديق والرحمن والشيطان .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب الآية 67 - 68 . ( 2 ) سورة الشعراء الآية 99 . ( 3 ) سورة النساء الآية 118 . ( 4 ) سورة النساء الآية 119 . ( 5 ) سورة النساء الآية 119 .