فخر الدين الرازي

274

القضاء والقدر

كلام اللّه وحكمه - قول يلزم عليه عطف الشيء على نفسه » ؟ قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : إنه ليس كل ما لم يكن من الكتاب ، لم يكن من عند اللّه . فإن الحكم الشرعي قد يثبت تارة بالكتاب وتارة بالسنة ، وتارة بسائر الطرق مثل الإجماع والقياس في شرعنا . ثم كل هذه الطرق من عند اللّه وبحكمه فقوله تعالى : لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ . وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ نفي خاص وهو كونه مذكور في كتاب اللّه ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . الوجه الثاني في الجواب : أنه يجوز أن يكون المراد من الكتاب : التوراة . ويكون المراد في قولهم هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : إنه موجود في كتب سائر الأنبياء مثل : « إشعياء » و « إرمياء » و « حبقوق » « 1 » وذلك لأن اليهود كانوا في نسبة تلك التحريفات إلى اللّه منجرين . فإن وجدوا قوما أغمارا جهالا بالتوراة ، نسبوا تلك المحرفات إلى أنها من التوراة . وإن وجدوا عقلاء لا يروج عليهم ذلك الكلام . زعموا : أنه موجود في كتب سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام « 2 » . فثبت بهذين الوجهين : أنه لا يلزم عطف الشيء على نفسه . وقوله : « كون المخلوق من عند الخالق ، آكد من كون المأمور به من عند الآمر ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى : أولى » قلنا : لكن هاهنا قرينة أخرى تدل على أن الذي قلناه أولى . وذلك لأن الجواب لا بد وأن يكون مطابقا للسؤال ، والقوم ما ادعوا أن التحريف الذي ذكروه وفعلوه خلق اللّه تعالى ، وإنما ادعوا

--> ( 1 ) يقسم اليهود الكتاب المسمى بالعهد القديم عند النصارى . إلى ثلاثة أقسام : الأول : التوراة أو الناموس وهي تضم الأسفار الخمسة الأولى : التكوين والخروج واللاويين والعدد وتثنية الاشتراع والثاني : الكتب التاريخية : يشوع والقضاة وصموئيل الأول والثاني والملوك الأول والثاني ، والأنبياء وهي نبوات إشعيا وارميا وحزقيال وصغار الأنبياء الاثني عشر : هوشع ويوئيل وعاموس ويونان وميخا وناحوم وصفنيا وحبقوق وحجي وزكريا وملاخي . والمجموعة الثالثة شتات كتب مختلفة : كالأخبار ونحميا وعزرا وراعوث وطوبيا ويهوديت واستير والمكابيين الأول والثاني والكتب الحكمية : الأمثال والجامعة وأيوب وابن سيراخ والحكمة ، والمزامير وباروك والمراثي ونشيد الإنشاد وسفر دافيال . وهذا التصنيف اليهودي قد تغير واستبدل بتصنيفات أخرى . . ( 2 ) أنظر في إثبات تحريفات اليهود والنصارى كتاب إظهار الحق لرحمت اللّه الهندي ، والجزء الأول من الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ، والأجوبة الفاخرة للقرافي ، وهداية الحيارى لابن القيم ، والدين والدولة لابن ربن الطبري وغيرها . وقد عثرت على نص في سفر ارمياء الإصحاح الثالث والعشرين يثبت التحريف من قبل بني إسرائيل . « يقول الرب : قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبئوا باسمي بالكذب قائلين حلمت حلمت . حتى متى يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم . . . وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلا : ما وحي الرب فقل لهم أي وحي ؟ إني أرفضكم قول الرب . فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول وحي أعاقب ذلك الرجل وبنيه . هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لأخيه بما ذا أجاب الرب وما ذا تكلم الرب . أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا . . . من أجل قولكم هذه الكلمة وحي الرب وقد أرسلت لكم قائلا لا تقولوا وحي الرب . لذلك ها أنا ذا أنساكم نسيانا وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها . واجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى » ( 25 - 40 ) .