فخر الدين الرازي

252

القضاء والقدر

الثاني : إنه قال : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالهداية والمعرفة . وذلك يدل أيضا على مذهبنا . واللّه أعلم الفصل العاشر قوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قالت المعتزلة : هذا إنما يتم على قولنا . لأن العبد لو لم يقدر على الفعل لكان غضب اللّه عليه محض الظلم . وأيضا قوله : وَلَا الضَّالِّينَ يقتضي إسناد الضلال إليهم ، لا إلى اللّه تعالى . قال أهل السنة والجماعة : هذه الآية دالة على قولنا . لأنه تعالى وصفهم بكونهم مغضوبا عليهم ، ثم ذكر عقيبه كونهم ضالين . وهذا يدل على أن كونهم مغضوبا عليهم ، هو المؤثر في كونهم ضالين . والذي يدل عليه : أن العبد لما كان قادرا على الإيمان والكفر ، امتنع أن يقدم على الإيمان بدلا عن الكفر ، وبالعكس ، إلا لمرجح من قبل اللّه تعالى . فإذا خلق اللّه فيه مرجح الكفر ، فذلك هو غضب اللّه عليه . والضلال بعد ذلك هو أثر ذلك الغضب ونتيجته وثمرته . فثبت بهذا البرهان العقلي . أن كونه مغضوبا عليه هو الموجب لصيرورته من الضالين . واللفظ العقلي . أن كونه مغضوبا عليه هو الموجب لصيرورته من الضالين . واللفظ أيضا مشعور به . لأنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعليّة « 1 » . وكونه ضالا يناسب أن يكون معللا بكونه مغضوبا عليه . وهو مذكور عقيبه . فيوجب كونه معللا به ، وذلك يبطل القول بالاعتزال . ونظير هذا قوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَرَضُوا عَنْهُ « 2 » فإن كونه تعالى راضيا عنهم ، هو الذي أوجب صيرورتهم راضين عنه . وهذا هو الواجب ، لتكون صفة الحق مؤثرة في صفة الخلق . أما لو كان كوننا راضين عنه يؤثر في كونه تعالى راضيا عنا ، لكانت

--> ( 1 ) أنظر المحصول للرازي 2 / 319 ؛ التحصيل من المحصول 2 / 191 - 201 ؛ المستصفى 2 / 297 ؛ الإحكام للآمدي 3 / 294 ؛ شرح تنقيح الفصول 391 ؛ نهاية السئول 4 / 76 ؛ الإبهاج 3 / 54 ، شرح مسلم الثبوت 2 / 265 ، إرشاد الفحول 214 . والمناسبة من الاصطلاحات الأصولية ويعبر عنها أحيانا بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد ويسمى استخراجها تخريج المناط وهي عمدة كتاب القياس - كما يقول الشوكاني - ومحل غموضه ووضوحه . ومعنى المناسبة تعين العلة بمجرد ابداء المناسبة مع السلامة عن القوادح لا بنص ولا غيره . وقال الرازي في المحصول : الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين الأول أنه المفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وابقاء . وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الإبقاء بدفع المضرة . . . الثاني : أنه الملائم الأفعال العقلاء في العادات وللعلماء في تعريف المناسبة خلاف وفق اختلافهم في تعليل أفعال اللّه سبحانه أو عدم تعليلها . والكلام الذي ذكره الرازي في تعليل الضلال بالغضب عليه مشعر بأن أفعال اللّه تعالى معللة . ( 2 ) سورة البينة الآية 8 .