فخر الدين الرازي
249
القضاء والقدر
قال أهل السنة والجماعة : كونه تعالى مالكا ليوم الدين ، لا يتم إلا على قولنا . وبيانه من وجوه : الأول : إنا نفرض رجلا استمر على كفره ثمانين سنة ، ثم اتفق أن آمن ، ومات عقيب إيمانه بلحظة . فهذا الرجل عصى اللّه بالكفر في جميع عمره ، ثم أتى بالإيمان لحظة واحدة ، فإنه ينعزل عن الإلهية ، ويصير سفيها مستحقا للذم . وعلى هذا التقدير لا يكون مالكا ، بل يكون مملوكا بل يكون حاله أشد من حال مملوك لأن المملوك قد يتوقع الخلاص عن ذلّ تكليف المولى . واللّه تعالى لا رضاء له البتّة في الخلاص عن ذلك التكليف . فيلزم أن لا يكون تعالى مالكا ليوم الدين ، بل يكون مملوكا في يوم الدين - تعالى اللّه عنه علوا كبيرا - . الثاني : إن كفر العبد ومعصيته متناهية . والعقل يقضي أن يكون العقاب بقدر الجرم . لا زائدا عليه . فوجب أن يكون عقاب الكفر والمعصية متناهيا فلما جعل عقاباته غير متناهية علمنا أنه لا يمكن أن يقال : أحكام أفعاله على أحكام أفعالنا في الحسن والقبح . وذلك يبطل قول المعتزلة . الثالث : إن المحاسبة على المأكول والمشروب مستقبحة من العظماء . وجميع الدنيا بالنسبة إلى خزائن اللّه أقل من الذرة بالنسبة إلى البحر الأعظم . فلو كانت أحكامه مثل أحكامنا ، لوجب أن يقبح منه حساب العبد في الذرة واللقمة . ولما لم يقبح ، علمنا : أنه لا تقاس أفعاله على أفعالنا ، ولا أحكامه على أحكامنا . وذلك يبطل الاعتزال بالكلية . الفصل السابع في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ قالت المعتزلة : هذا تصريح بكون العبد فاعلا ومستقلا بأفعال نفسه . فإنه لو كان فعل العبد قد خلقه اللّه ، لكان سعي العبد جاريا مجرى تحصيل الحاصل . وذلك محال . وحينئذ يبقى قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ : كذبا محضا . وأيضا : لو كانت العبادة خلقها اللّه تعالى ، لوجب أن يقول العبد : إياك نسأل منك خلق العبادة . قال أهل السنّة والجماعة : إنما تصير العبادة داخله في الوجود بالقصد ، وهي ليست من العبد ، وإلا لزم التسلسل . فهي من اللّه . وذاك من أقوى البراهين في أن العبد غير مستقل بفعل العبادة .