فخر الدين الرازي
246
القضاء والقدر
وإذا تفضل فقد اكتسب استحقاق الحمد من العبد . ولولا ذلك التفضل ، لما حصل ذلك الاستحقاق . فثبت : أنه تعالى بإعطاء تلك المنافع قد اكتسب لنفسه منفعة وعوضا . فلم يكن هذا جودا . فأما على قولنا : إنه لا يجب على اللّه لأحد شيئا ، وأنه مستحق الثناء والحمد لذاته ، لا لأمر منفصل عن ذاته . لم يكن لفعل شيء من أنواع الجود والكرم ، أثر في تخليته عن الذم ، ولا أثر في تحصيل مزيد استحقاق الحمد . فكانت عطاياه محض الجود والكرم والرحمة . والرحيم هو الذي يرحم وليس من شروطه أن لا يفعل الرحمة . فهو تعالى رحيم لمن أراد ، وقهار لمن أراد . كما أنه تعالى نافع ضار . واسم الرحمن يدل على المبالغة في الرحمة . وهذه المبالغة إشارة إلى وجهين : الأول : إن كل ما سواه فإنما يرحم لاكتساب عوض . وهو إما استحقاق الثواب ، أو استحقاق الثناء ، أو التخلص من الذمة ، أو دافع الرقة الحقيقية عن القلب . وكل ذلك أعواض . فأما الحق سبحانه فإنه يرحم لا لغرض أصلا . فكانت رحمته هي الرحمة الحقيقية . ولهذا السبب استحق أن يسمى رحمانا . والثاني : إن جميع الخلق لا يرحمون أحدا ، إلا إذا حصلت في قلوبهم داعية الرحمة ، والخالق لتلك الداعية هو اللّه سبحانه ، فكان الراحم في الحقيقة ليس إلا اللّه سبحانه من هذا الوجه . فهذا هو الكلام في هذا الباب . واللّه أعلم بالصواب الفصل الرابع في قولنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ « 1 » قالت المعتزلة : هذا لا يتم إلّا على مذهبنا . وذلك لأن المستحق للحمد هو الذي لا قبح في فعله ، ولا جور في قضيته ، ولا سوء في مشيئته ، ولا عيب في صنعه . وعندنا : أن اللّه كذلك . فكان مستحقا لأعظم المحامد والمدائح . أما على مذهب الجبر ، فلا قبيح إلا وهو فعله ، ولا جور إلا وهو قضيته ، ولا عبث إلا وهو صنعه . لأنه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ويؤلم الحبر أمانه من غير أن يعوضها ، فامتنع كونه مستحقا للحمد والمدائح . وأيضا : ذلك الحمد الذي يستحقه بسبب كونه إلها . إما أن يستحقه على العبد ، أو على نفسه . فإن استحقه على العبد ، وجب أن يكون العبد قادرا على الفعل . وذلك يبطل القول بالجبر . وإن كان يستحقه على نفسه ، كان معناه أنه يجب عليه أن يحمد نفسه . ومعلوم أن ذلك باطل . فثبت : أن
--> ( 1 ) أنظر الفائدة الخامسة عشرة من تفسير الرازي للحمد للّه ( التفسير الكبير 1 / 225 - 227 ) :