فخر الدين الرازي

231

القضاء والقدر

تناول الغذاء الجيد . وحصول الري عقيب الشرب . وحصول النبت عند إلقاء البذر في الأرض الحرة ، مع حصول سائر الشرائط من السقي والشمس . ثم إن الأكثرين من المعتزلة : سلموا أن حصول هذه الأشياء عقيب هذه الأمور على سبيل العادة ، لا على سبيل الوجوب . فكذا هاهنا . الثالث : لم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الفعل كان واجب الحدوث في ذلك الوقت بعينه لذاته ، وكان ممتنع الحدوث في سائر الأوقات لعينه ولذاته ؟ وهذا غير مستبعد على أصول المعتزلة . وذلك لأن عندهم الأعراض التي لا تبقى ، يختص حدوث كل واحد منها بوقت معين ، مع أنه كان يمتنع حدوثه قبل ذلك أو بعده . فإذا عقل اختصاص ذلك الجواز بوقت دون وقت ، فلم لا يجوز أيضا أن يختص وجوب حدوث هذه الأفعال ، بوقت دون وقت ، لا لمؤثر أصلا البتة ؟ وعلى هذا التقدير ، يمتنع أن يقال : إن ذلك الفاعل إنما وقع بقدرة العبد . وعلى هذه الشبهة أصول كثيرة ، شرحناها في كتاب « نهاية العقول » . وأما الشبهة الثانية : وهي قوله : « لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لزم أن لا يكون متمكنا من الفعل والترك » فالجواب عنها : أن نقول : هذا أيضا لازم عليكم في صور كثيرة : أولها : إن علم اللّه متعلق بجميع الجزئيات . وما علم أنه يقع : محال أن لا يقع ، وما علم أنه لا يقع : محال أن يقع . فيلزمهم في العلم ، كل ما ألزموه علينا في الإيجاد . الثاني : إنه تعالى أخبر عن « أبي جهل » أنه لا يؤمن ، فلو صدر عنه الإيمان ، انقلب الخبر الصدق : كذبا . وذلك محال . والمفضي إلى المحال : محال . فلزمهم في الجبر ما ألزموه علينا . الثالث : أن يقال : كلف « أبو لهب » بالإيمان . ومن الإيمان تصديق اللّه في كل ما أخبر عنه . ومما أخبر عنه : أنه لا يؤمن . فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن . الرابع : إنه تعالى إذا وجب عليه إيصال الثواب والعوض إلى العبد ، فإذا لم يفعل ذلك ، لزم إما الجهل أو الحاجة . وهما محالان . والمفضي إلى المحال : محال . وهذا يقتضي أنه يستحيل من اللّه تعالى عقلا أن لا يفعل ذلك الواجب . وإذا امتنع الترك ، وجب الفعل . فإن كان هذا الوجوب يمنع من المدح والذم ، وجب أن لا يستحق اللّه تعالى بذلك مدحا ، ولا بتركه ذما . وذلك باطل . الخامس : إنا بينا : أن البديهة دلت على أن الفعل يتوقف على الدواعي . وبينا : أن عند حصول الداعية يجب الفعل . وعلى هذا التقدير فالجبر لازم ، ويلزمهم ما ألزموه علينا . وأيضا : فبتقدير أن نقول : فاعل الفعل لا يتوقف على الداعي ، كان معناه : أن القادر يصدر عنه أحد الفعلين من غير أن يميل طبع ذلك الفاعل إلى ذلك الواقع من غير أن يخص ذلك الفاعل ، ذلك الواقع بأمر البتة . وعلى هذا التقدير يكون حصول ذلك الفعل حصولا على الاتفاق من غير