فخر الدين الرازي
209
القضاء والقدر
الثاني : إن الاختلاف في هذه المسألة يوجب الإكفار . فلو وقع الاختلاف فيها بين أبي بكر وعمر ، وبين جبريل . لزم إكفار أحدهما . الثالث : إن هذه القضية . روي أنها كانت بالمدينة . فكيف بقي أبو بكر وعمر هذه المدة مع جهلهما بهذه المسألة ؟ . السؤال الثاني : إن صح متن هذا الخبر ، فله تأويلان : أحدهما : إنهما اختلفوا في إطلاق اسم الشر على الآلام والأسقام والمحن فمنعه أبو بكر عن ذلك . لأنه وإنه كان مؤلما ، فهو خير للعبد . لما فيه من الأعراض . وأجازه عمر . فبين رسول اللّه : جواز ذلك ، وأنها وإن كانت مصلحة ، فهي شر بمعنى كونه مؤلما . الثاني : إن المراد بالقدر : الكتابة . فكان أبو بكر يقول : يقدر الخير دون الشر ، أي أن يكتب الخير في اللوح المحفوظ ، ولا يكتب الشر . وعمر كان يقول يكتبهما . فأما قوله : « لو شاء اللّه أن لا يعصى لم يخلق إبليس » فنقول : هذا ضعيف . لأنه عند المجبرة : وجود إبليس وعدمه سواء . فإن ثبت هذا الكلام ، فمعناه : لو شاء اللّه أن لا يخلق من يعصيه ، لما خلق إبليس . وهو رأس العصاة . فأشار إلى أنه تعالى كما يخلق من يعلم أنه يؤمن ، كذلك يخلق من يعلم أنه يكفر وإنما يأتي المكلف بالكفر والإيمان من قبل نفسه لا من قبل ربه . ويحتمل أيضا : أنه لو شاء أن يمتنع من المعصية جبرا ، أو قسرا ، لما خلق إبليس ، مع علمه بأنه رأس الكفر . ولكنه تعالى أراد أن يؤمن العبد باختياره ليستحق الثواب . واللّه أعلم . والجواب عن جميع هذه الأسئلة : إنا لا نطلب من التمسك بهذا الخبر ، إلا الظن القوي . ولا شك أن كل ما ذكرتموه ، وجوه مرجوحة ضعيفة . فهي لا تقدح في الظن . الحجة الثالثة والعشرون : ما رواه البخاري « 1 » في صحيحه بإسناده عن عمران ابن
--> - فيكون مرسلا . ثم قال أبو حاتم بن حبان : والصواب في عمرو بن شعيب أن يحول إلى تاريخ الثقات . لأن عدالته قد تقدمت . فأما المناكير في حديثه إذا كانت في روايته عن أبيه عن جده فحكمه حكم الثقات إذا رووا المقاطع والمراسيل بأن يترك من حديثهم المرسل والمقطوع ويحتج بالخبر الصحيح . وقد رد قوله هذا الحافظ الذهبي في الميزان . واعتبر حديثه من قبل الحسن لا الصحيح ( ميزان الاعتدال 3 / 263 - 268 ) . وفي تقريب النووي : رواية الأبناء عن آبائهم وهو نوعان : الثاني : عن أبيه عن جده كعمرو بن شعيب . . له هكذا نسخة كبيرة أكثرها فقهيات جياد واحتج به هكذا أكثر المحدثين حملا لجده على عبد اللّه دون محمد التابعي . قال شارحه العلامة السيوطي : « وسماع شعيب من عبد اللّه ثابت وقد أبطل الدارقطني وغيره إنكار ابن حبان ذلك . وقال العلائي : ومما يحتج به لصحتها احتجاج مالك بها في الموطأ . واختار الشيخ أبو إسحاق في اللمع الاحتجاج بروايته عن أبيه عن جده . وذهب الدارقطني إلى التفرقة بين أن يفصح بجده أنه عبد اللّه فيحتج به أولا فلا . وكذا إن قال عن جده قال سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم ونحوه مما يدل على أن مراده عبد اللّه . . . الخ . ( تدريب الراوي 2 / 258 - 259 ) . ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء ( 9 / 152 ) بلفظ « كان اللّه ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء . . » ورواه في كتاب بدء الخلق باب ما جاء في قول اللّه تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ -