فخر الدين الرازي

206

القضاء والقدر

اللوح المحفوظ . وقد سبق جوابه . الحجة التاسعة عشر : ما روى أبو حازم ، عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من وقي الذي بين لحييه ورجليه دخل الجنة » « 1 » النص : دل على أن تلك الوقاية مضافة إلى غير العبد . وما ذاك إلا اللّه تعالى . وهذا يدل على أن العبد إنما يبقى مصونا عن المعاصي بتوفيق اللّه . قالوا : المراد منه : « الألطاف » وجوابنا : إن كل ما قدر اللّه عليه من الألطاف ، فقد فعله . وأيضا : اللطيف لا بد وأن يكون مرجحا ، وكل مرجح فهو موجب . على ما مر تقريره مرارا . وقالوا : « ليس كل ما رجح الداعي ، فإنه واجب الفعل ، فإنه قد يميل قلبنا إلى بعض الأفعال مع أنا لا نفعل » والجواب : إن ذلك الميل . إنما لا يوجب الفعل ، لأنه لما صار معارضا بصادر آخر أقوى منه ، فحينئذ لم يبق ميلا . بل الميل المرجح إذا حصل وخلى عن المعارض ، فإنه كما يرجح ، فلا بد وأن يوجب الفعل كما قررناه . الحجة العشرون : ما روى يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال : قال عمران بن الحصين : يا أبا الأسود أرأيت ما يعمل الناس اليوم ، ويكدحون فيه ؟ أشيء قضي عليهم ؟ أو فيما يستقبلون مما أتى به نبيهم وأخذ به عليهم الحجة . قال : « بل شيء قضى عليهم ومضى عليهم » قال : فلم نعمل إذا ؟ قال : ففزعت من ذلك فزعا شديدا فقلت : إنه ليس شيء إلا خلق اللّه ، وملك يده : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 2 » فقال عمران بن الحصين : سددك اللّه ووفقك . أما واللّه ما سألت إلا لأحزر . وإن رجلا من مزينة ، أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال يا رسول اللّه : أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه ؟ أشيء قضى عليهم من اللّه الحجة قال : « بل شيء قضى عليهم ، ومضى عليهم » قال : فلم نعمل إذا ؟ قال : « من كان خلقه لواحد من المنزلتين ، فهو مستعمل لها » . وتصديق ذلك في كتاب اللّه : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 3 » . واعلم : أن القضاء يحتمل أن يكون المراد منه : وضع الأسباب التي لزم من مصادقات

--> - فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي » - رواه كذلك البزار والطبراني - وروى نحو البزار والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه مرفوعا بلفظ « هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي » وانظر مجمع الزوائد لابن حجر الهيثمي 7 / 188 - 190 والفتح الكبير 1 / 333 ) . ( 1 ) الحديث رواه الترمذي في الزهد باب ما جاء في حفظ اللسان ( 4 / 606 رقم 2409 ) ولفظه : « من وقاه اللّه شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة » ثم قال : هذا حديث حسن غريب . رواه الحاكم في المستدرك ( 4 / 357 ) وابن حبان ( الفتح الكبير 3 / 244 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء الآية 23 . ( 3 ) الحديث رواه مسلم بطوله في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ( 4 / 2041 رقم 2650 ) وأحمد ( 4 / 438 ) ؛ وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ( الدر المنثور 6 / 356 ) من طريق أبي الأسود الدّؤلي أو الديلي ويقال الدؤلي عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه . وفي النص بعض الاختلافات عن رواية الرازي رحمه اللّه . والآيتان هما من سورة الشمس 7 - 8 .