فخر الدين الرازي

190

القضاء والقدر

نسلم أنه كان من باب الصغائر ، بل كان من باب الكبائر . إلا أنا نقول : إن تلك الواقعة وقعت قبل النبوة « 1 » . وقوله رابعا : « خروج الناس من الجنة ، ما كان بسبب آدم » قلنا : لم لا يجوز أن يقال : لما حصل الإخراج مقارنا لتلك الزلة ، انضاف إليها بحسب الظاهر . وقوله خامسا : « لو كان ذلك حجة لآدم ، لكان أيضا حجة لفرعون وهامان » قلنا : هذه المناظرة إنما وقعت بين آدم وبين موسى . وهذه الحجة قوية بشرط أن تقع المناظرة بين إنسانين . إلا أن عندنا المناظرة مع اللّه ممتنعة . فلله - سبحانه - أن يقول : هذا العذر ، وإن كان عذرا فيما بين الخلق . إلا أني لا أقبله من فرعون وهامان ، وأقبله من آدم . لأن أفعالي معللة بمحض الإلهية . وقوله سادسا : « لعله - عليه السلام - إنما حكى هذا الكلام عن اليهود » قلنا : هذا سوء ظن بالراوي « 2 » . وقوله سابعا : « لعل الإعراب بخلاف ما ذكرتم » قلنا : هذا أيضا سوء ظن بالراوي « 3 » . وقوله ثامنا : « لعل المراد بهذا التقدير : أنه تعالى كتب ذلك على آدم » قلنا : هب أنه كذلك . لكن اللّه تعالى لما أخبر عنه ، امتنع أن لا يقع ، وإلا لزم أن ينقلب خبر اللّه من كونه صدقا إلى كونه كذبا ، وإنه محال « 4 » .

--> ( 1 ) لعله فهم ذلك من قوله تعالى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى أو قوله عز وجل فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً والشاهد في الآية الأولى قوله سبحانه ( ثم ) التي تفيد المهلة والتأخير وقوله ( اجتباه ) والاجتباء الاصطفاء وهي في القرآن الاصطفاء بالنبوة والرسالة والوحي . قال تعالى وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا وقال وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ وقال في حق يوسف عليه السلام وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وقال في حق إبراهيم عليه السلام شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقال في حق يونس عليه السلام فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وقال في حق الأنبياء والرسل : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأبو يوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . أما الشاهد في الآية الثانية فإفادتها أن إيتاء الهدى بعد حادثة الإهباط إلى الأرض . أنظر مناقشة الرازي لهذا القول في عصمة الأنبياء ( 26 - 32 ) وفي التفسير الكبير ( 1 / 11 - 15 ) . ( 2 ) النصوص الحديثية لم ترد بذلك . ولا تقام الحجج على « لعلّ » . ولا يقال إن ذلك محتمل وإلا لانهارت السنة بأكملها ، وتطرق الطعن إلى الصحابة . وإذا ثبت النص فلا معنى لذلك الاحتمال الذي لا يقدم ولا يؤخر في فهمه . فضلا أن حكاية ذلك عن اليهود ينبغي أن تقترن بالذم حتى ترفض وترد . وذلك لم يكن . ( 3 ) أيضا لم ترد الروايات على اختلافها إلا برفع لفظة « آدم » لا نصبها . ولا حجة لمخالف مخالفته قائمة على مجرد احتمال مدفوع إن لم يكن باليقين فبالظن الراجح . ( 4 ) لا بد من الإشارة إلى أن حادثة عصيان آدم تقع ضمن سلسلة الأحداث التي انتهت باهباطه إلى الأرض مكان الاستخلاف ولذلك فإنها تقع كذلك ضمن الحكمة الإلهية السابقة والخارجة عن علم آدم وقت حصولها . ولذا فاحتجاج آدم كان بعد حصول الحادثة والتوبة والإهباط والاستخلاف . وموسى عليه السلام كما في الحديث الشريف يلومه على المرحلة السابقة على هذا كله .