فخر الدين الرازي
183
القضاء والقدر
السلام خصّه بذلك التعليم ، وجعله موضع سره في إظهار ذلك العلم . وذلك منصب عظيم ، ودرجة عالية عند الخلق . فلا يبعد أن يقدم بعضهم عليه طلبا للجاه والمنزلة عند الناس . ولعمري هذا بعيد جدا ، لا سيما في حق الصحابة ، إلا أن أصل الاحتمال فيه قائم . لأنا لما رأيناهم أقدموا على المقاتلة والملاعنة ، بسبب الجاه ، فكيف يبعد إقدامهم على هذا القدر من الذلة ، بسبب الجاه . الثاني عشر : لا شك أن الأخبار الكثيرة واردة في المنع من الافتراء على الرسول . قال عليه السلام : « من كذب عليّ متعمدا ، فليتبوأ بيتا من جهنم » « 1 » وقال : « نضّر اللّه امرأ ، سمع مقالتي فوعاها ، وأداها ، كما سمعها » « 2 » وقال : « أعظم الفرية ثلاث » « 3 » وعد منها : « أن يقول : سمعت رسول اللّه ، ولم يسمع منّي » ولولا أنه - عليه السلام - علم أن أقواما يكذبون عليه . وإلا لم يقل ذلك . ولا جائز أن يقال : أولئك الأقوام هم المنافقون . وذلك لأن أهل النفاق لا ينزجرون بزجره ، ولا يمتنعون بسبب هذا الوعيد ، لأنهم يكذبونه في ادعاء الرسالة ، فكيف يلتفتون إلى وعده ووعيده ؟ فثبت : أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك ، لأنه عرف أن جماعة من المسلمين ، كانوا يكذبون عليه . الثالث عشر : المحدثون نقلوا أخبارا كثيرة في أنه - عليه السلام - كان يحث الناس في الرجوع إلى القرآن ، والمسك به ، والمنع من الأحاديث ، وكتابها . وذلك يدل أيضا على تقوية قولنا . الرابع عشر : إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه ، بلغت مبلغا كثيرا في العدد ، وبلغت مبلغا عظيما في تقوية التشبيه ، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة ، عظيم الأعضاء ، وخرجت عن أن تكون قابلة للتأويل . ولما كان القائل بالتشبيه جاهلا بربه . والجاهل بربه يمتنع أن يكون رسولا حقا من عند اللّه ، علمنا : أن أكثر هذه الروايات : أباطيل وأضاليل ،
--> ( 1 ) حديث « من كذب على متعمدا . . . » مشهور بلفظ : فليتبوأ مقعده من النار » من الأحاديث المتواترة . فقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عن أنس . والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد عن الزبير . ومسلم عن أبي هريرة والترمذي عن علي وأحمد وابن ماجة عن جابر . وعن أبي سعيد . والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود . . . الخ ( راجع الفتح الكبير 3 / 234 - 235 ) . ( 2 ) حديث « نضر اللّه امرأ » رواه الترمذي في العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع بروايات مختلفة من أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه وابن مسعود رضي اللّه عنه ( 5 / 33 - 34 رقم 2656 و 2657 و 2658 ) . ورواه أبو داود في العلم باب فضل نشر العلم ( 3 / 321 رقم 3660 ) وابن ماجة في مقدمة سننه باب من بلغ علما ( 1 / 84 - 86 رقم 230 و 231 و 236 ) عن زيد بن ثابت وعن جبير بن مطعم عن أبيه وعن أنس رضي اللّه عنهم . ورواه أيضا أحمد ( 1 / 437 و 3 / 425 و 4 / 80 و 82 و 5 / 183 ) والحاكم ( 1 / 87 و 88 ) وابن حبان ( موار الظمآن ص 47 ) . ( 3 ) حديث « أعظم الفرية ثلاث . . . » رواه البخاري في المناقب ( 5 ) عن واثلة بن الأسقع بلفظ : « إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينيه ما لم تر ، أو يقول على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم يقل . ( 4 / 220 ) وأحمد ( 3 / 490 ) عن واثلة ولفظه « أو يقول : سمعني ولم يسمع مني » و ( 4 / 106 ) بلفظ البخاري .