فخر الدين الرازي
177
القضاء والقدر
فنقول : أبو هريرة إن كان صادقا في تلك الروايات ، صار عمر مطعونا فيه ، بسبب ذلك المنع ، وإن كان متهما فقد صار أبو هريرة مطعونا فيه . ورابعها : إن أبا هريرة ، كان يقول : « حدثني خليلي أبو القاسم » فمنعه علي بن أبي طالب . وقال : متى كان خليلا لك ؟ « 1 » . وخامسها : إن البراء بن عازب ، طعن في أبي هريرة . وقال : سمعنا كما سمعوا . ولكنهم حدثوا بما لم يسمعوا « 2 » . وسادسها : إن الأفاضل الذين صحبوا من أول المبعث إلى آخر الوفاة ، ما حدثوا إلا قليلا . كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي اللّه عنهم - مع كثرة علومهم وقوة خواطرهم ، وشدة ملازمتهم لحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم وجد النبي في إرشادهم وتعليمهم . وأما أبو هريرة فإنه لم يصل إلى خدمة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا مدة قليلة . وهو في نفسه ، ما كان زائدا في الذكاء والفطنة على أبي بكر وعلي . ثم إنه روى ألفي خبر ، وأكثر « 3 » . وهو نصف الصحاح . وهذا يدل على الطعن الشديد . لأنه لو قدر في تلك المدة القليلة على تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، مع أن أبا بكر وعليا ، ما قدرا
--> - كان عمر رضي اللّه عنه يخشى على الحديث من أمرين : الوضع والكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومن اختلاط الحديث بالقرآن . فتصرفه من باب سد الذرائع - هذا إن صح . . ونقل أن عمر رضي اللّه عنه أذن له في التحديث بعد أن عرف ورعه وخشيته الخطأ . وقال له : أما إذا فاذهب فحدث . أو قال : حدث الآن عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما شئت . وفي رواية : أمالي فاذهب فحدّث . ( راجع المصدر نفسه ص 273 و 274 عن البداية والنهاية 8 / 107 وسير أعلام النبلاء 2 / 434 وابن عساكر 47 / 487 . ( 1 ) ينقل ذلك ابن قتيبة في « تأويل مختلف الحديث » ( 27 و 51 ) من طريق النظام . ويرد عليه بأن الخلة نوعان أحدهما ألطف من الآخر . فمن الخلة التي هي أخص قول اللّه تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا » . وأما الخلة التي تعم فهي التي جعلها اللّه تعالى بين المؤمنين فقال : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) . فعلي رضي اللّه عنه يقصد النوع الأول . ( المرجع السابق ص 278 - 279 ) . ( 2 ) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ما يعارض ذلك عن طلحة بن عبيد اللّه إذ قال : « إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل . كنا نأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طرفي النهار وكان مسكينا ضيفا على باب رسول اللّه يده مع يده فلا تشك وأنه سمع ما لم نسمع ولا تجد أحدا فيه خير يقول على رسول اللّه ما لم يقل » ( 2 / 436 ) . قال في رواية « قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا » ( فتح الباري 8 / 77 ) . وروي أيضا عن أبي أيوب الأنصاري قوله « إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع وأني أن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعني ما لم أسمعه منه » ( البداية والنهاية 8 / 109 وسير أعلام النبلاء 2 / 436 ) . وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال : أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأحفظنا لحديثه » ( البداية والنهاية 8 / 107 وطبقات ابن سعد 2 / 118 . وانظر أبو هريرة ( ص 148 - 150 ) . ( 3 ) روي له في الصحيحين ( 609 ) حديثا . اتفق الشيخان البخاري ومسلم على ( 326 ) حديثا . وروى له أصحاب الكتب الستة والإمام مالك ( 2218 ) حديثا . أي أن له في السنن الأربعة وفي موطأ الإمام مالك ( 1609 ) . ( المصدر السابق ص 172 - 173 ) .