فخر الدين الرازي

174

القضاء والقدر

حجة واحدة ، ومع أنا نعلم أنه لم يأت بالجميع . ومن ذلك أنه - عليه السلام - هل كان يرفع يديه عند الركوع والانتصاب ؟ فابن مسعود ، روى عدم الرفع . وابن عمر روى حصول الرفع « 1 » . ومرة ذكر أنه في التكبيرة الأولى ، كان يرفع يديه إلى حذو المنكبين ، أو إلى حذو الأذنين . فكل هذه الأمور أمور مشاهدة محسوسة . يكفي في معرفتها سلامة الحاسة وأصل العقل . فلما عجزوا عن ضبط هذا القدر ، فكيف يقدرون على ضبط المسائل الفقهية ، التي ما سمعوها إلا مرة واحدة . ثم إنهم ما كتبوا ذلك المجموع . بل اعتمدوا على مجرد حفظهم . ثم نقلوه بعد خمسين سنة أو أكثر . الثاني : وهو أن المحدثين نقلوا طعن بعض القوم في البعض . وذلك يوجب رد الروايات . بيان المقدمة الأولى من وجوه : أحدها : ما روي أن أبا موسى الأشعري ، استأذن على عمر ، ثلاث مرات . فلم يأذن له ، فرجع فبلغ ذلك عمر . فقال له : ما ردّك ؟ فقال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول : « إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات ، فلم يأذن له ، فليرجع » « 2 » فقال عمر : لتأتيني ببينة على صحة ما قلت ، وإلا آذيتك . وهذا يدل على أن عمر ، كان يتهم أبا موسى في تلك الرواية . وثانيها : المخاصمة الشديدة التي وقعت بين عثمان وبين أبي ذر ، حتى نقل أن عثمان سيّر أبا ذر إلى الربذة . ونقل أيضا : أن عثمان ضرب ابن مسعود حتى كسر ضلعان من أضلاعه . وكان كل واحد منهما يعظم الطعن في صاحبه . وأيضا : إنهم حبسوا عثمان في داره ظلما وقتلوه « 3 » . وثالثها : ما نقل أن عليا ، كان يستحلف الرواة . ولولا التهمة ، وإلا لما فعل ذلك « 4 » .

--> - ومسلم عن علي رضي اللّه عنه وكذا الترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ومسلم ومالك والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ( راجع جامع الأصول 3 / 99 - 161 ) . وقد اختلف العلماء في حج النبي صلى اللّه عليه وسلم هل كان قرانا أو تمتعا أو أفرادا ؟ وانظر في ذلك نيل الأوطار 5 / 39 ؛ تلخيص الحبير 2 / 231 ؛ زاد المعاد لابن القيم 1 / 177 وما بعدها . . ) . ( 1 ) حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وأما حديث ابن مسعود فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي ( أنظر جامع الأصول 5 / 299 - 302 ؛ ونيل الأوطار 2 / 192 ؛ وتلخيص الحبير 1 / 218 ؛ الدراية 1 / 149 ؛ نصب الراية 1 / 308 ؛ زاد المعاد 1 / 56 وكتب الفقه عامة ) . ( 2 ) الحديث رواه البخاري في الاستئذان باب التسليم والاستئذان ثلاثا ( 8 / 67 ) . ومسلم في الآداب باب الاستئذان ( 0 / 1694 رقم 2153 ) ومالك ( 2 / 963 ) وأبو داود في الأدب باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان ( 4 / 347 رقم 5180 - 5184 ) والترمذي في الاستئذان والآداب باب ما جاء في الاستئذان ثلاثا ( 5 / 53 رقم 2690 ) . ( 3 ) الاحتجاج بهذا الوجه متوقف على صحة ما نقل أيضا وفيه ما فيه من المصادرة على المطلوب . فضلا عن أن تفسير هذه الأخبار لا يعني أن الصحابة طعنوا في دين بعضهم أو في نقله عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وإنما كانت خلافات فقهية مع الإمام الذي يتميز عنهم بكونه ملزما في أحكام اللّه تعالى . وأن أمره نافذ ولو خالف اجتهاد المجتهدين . ولسنا في معرض استقصاء صحة أو عدم صحة ذلك . وإن كنا نتوقف في إثبات ذلك حتى يثبت أمام ميزان النقد التاريخي والأخباري . ( 4 ) روى الترمذي وأبو داود عن أسماء بن الحكم الفزاري قال : سمعت عليا يقول : « كنت إذا سمعت حديثا من -