فخر الدين الرازي

158

القضاء والقدر

في تلك المهمات على الوجه الأبلغ الأحسن . ولا يمكن حمل هذا التيسير على الإقدار ، وإزاحة العلل والأعذار . لأن كل ذلك ، كان حاصلا قبل هذا الدعاء . فوجب حمل هذا السؤال على خلق المعرفة والطاعة . الحجة الثالثة عشر : قوله تعالى : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً « 1 » والاستدلال بهذه الآية من وجهين : الأول : إنه تعالى إن كان لا يزيغ القلوب البتة ، ولا يجوز أن يصدر عنه هذا الفعل ، كان هذا الدعاء طلبا لتحصيل الحاصل . وهو محال . الثاني : إن القلب صالح ، لأن يميل إلى الإيمان ، وصالح لأن يميل إلى الكفر . ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا لمرجح . وذلك المرجح هو حدوث داعية وإرادة في القلب . ولا يمكن أن يكون حدوث تلك الإرادة ، لإرادة أخرى . وإلا وقع التسلسل . فهي إرادة تحدث بإحداث اللّه تعالى . ثم تلك الداعية وتلك الإرادة . إن كانت داعية الكفر . فهي الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والدين والقسوة والوقر والكنان . وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن . وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان ، فهي التوفيق والإرشاد والهداية والتسديد والعصمة . وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » « 2 » والمراد من هاتين الإصبعين : هاتان الداعيتان « 3 » . فكما أن الشيء الذي يكون بين إصبعي الإنسان يقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الإصبعين فكذلك القلب لوقوعه بين داعيتي الفعل والترك يتقلب كما يقلبه الحق - سبحانه - بواسطة تينك الداعيتين . ومن أنصف ولم يتعسف ، وجرب نفسه ، وجد هذا المعنى كالشئ المحسوس . ولو جوّز العاقل حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ، لزمه نفي الصانع . وكان صلوات اللّه عليه يقول : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك » « 4 » ومعناه : ما ذكرناه . فلما أخبر اللّه تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون : « آمنا » بالمحكمات

--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 8 . ( 2 ) سيأتي تخريجه . ( 3 ) عمد الرازي إلى تأويل الإصبعين بالداعيتين برغم عدم ورود هذا المعنى شرعا أو عرفا أو لغة . وإنما لجأ إلى المجاز . والبعض أول الإصبعين بالقدرة . وأنه غير مقصود بها التثنية والجمع . والحديث لم يرد فقط بصيغة الأفراد ( قلب ) وإنما جاء في بعض رواياته ( قلوب بني كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ) . وفيه صعوبة التأويل بالداعيتين - الإيمان والكفر - وموقف السلف والخلف تجاه هذه النصوص معروف . وهو أنها من المتشابهات فبعضهم فوّض وبعضهم أول بالاستناد إلى اللغة وبعضهم أول بالاستناد إلى علم الكلام ومقدماته في التنزيه . وبعضهم أثبت ذلك وأعطى المعنى كيفا غير محسوس . ( 4 ) سيأتي تخريجه .