فخر الدين الرازي

148

القضاء والقدر

الحجة العاشرة : قوله تعالى : قُلْ : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ ، مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ « 1 » وهذا تصريح بأنه تعالى جعلهم عبدة الطاغوت . ولا يمكن تفسير هذا الجعل بالحكم والتسمية . لأنه تعالى ذكر صيغة جعل ، ثم أسند هذه الصيغة إلى القردة ، ثم إلى الخنازير ، ثم إلى عبدة الطاغوت . ولا شك أن المراد من جعل ، عند إسنادها إلى القردة والخنازير ، هي التصيير ، والقلب من صفة إلى صفة . فوجب أن يكون المراد بإسنادها إلى عبدة الطاغوت هذا المعنى أيضا ، وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد دفعة في حقيقته ومجازه معا . وإن ذلك محال . فإن قيل : النص دل على أنه تعالى جعل من عبد الطاغوت . فصيغة جعل هاهنا متعدية إلى مفعول واحد ، فكانت بمعنى الإحداث . فيكون المعنى : أنه تعالى خلق من عبد الطاغوت . ولا نزاع فيه . وليس في الآية دلالة على أنه تعالى خلق عبادة الطاغوت فيهم . والجواب عنه من وجهين : الأول : إنه تعالى قال : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وجعل الشيء من شيء آخر . معناه : إزالة الصفة الأولى ، وإحداث الصفة الثانية . وإذا كان كذلك ، لم يكن هذا الجعل بمعنى الإحداث ، بل بمعنى تصيير الشيء شيئا آخر . وإذا كان من الجعل المذكور في هذه الآية هذا المعنى ، وجب أيضا أن يكون هو المراد في قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ وإلا لزم استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معا . وإنه لا يجوز . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون معنى الآية : إنه تعالى جعلهم عَبَدَ الطَّاغُوتَ وعند هذا يحصل المطلوب « 2 » .

--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 60 . ( 2 ) في عبد الطاغوت قراءات كثيرة صحيحة وضعيفة : 1 - قرأ حمزة : عبد بضم الباء وكسر التاء من الطاغوت . أي : جعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت لأن فعل من صيغ المبالغة . وكذا قرأ مجاهد . 2 - قرأ الباقون من العشرة : وعبد بالفتح على أنه فعل ماض . والطاغوت بفتح التاء كأنه قال : ومن عبد الطاغوت . 3 - وقرأ أبيّ وابن مسعود ( وعبد والطاغوت ) حملا على معناها . 4 - وقرأ ابن عباس : و ( عبد ) بضم العين والباء كأنه جمع عبد كسقف وسقف . 5 - وقرأ أبو واقد الأعرابي ( وعبّاد ) جمع عابد للمبالغة . 6 - وقرأ البصريون ( وعباد ) جمع عابد أيضا . 7 - وقرأ أبو جعفر الرقاشي وعبد الطاغوت بالبناء للمفعول - وكذا قرأ النخعي والأعمش وابن القعقاع . 8 - وقرأ عون العقيلي وابن بريد وعابد الطاغوت . 9 - وقرأ ابن مسعود وأبي في رواية : ( وعبدة ) . 10 - وقرأ عبيد بن عمير ( وأعبد ) . . . الخ . راجع : حجة القراءات 231 ؛ النشر في القراءات العشر 2 / 43 . الكشف عن وجوه القراءات السبع 1 / 414 ؛ المهذب في القراءات العشر 1 / 191 ؛ المغني 2 / 23 ؛ سراج القارئ 201 ؛ البحر المحيط 3 / 519 ؛ فتح القدير 2 / 55 .