فخر الدين الرازي

143

القضاء والقدر

الأول : إن الإسلام عرض قائم بالقلب ، والعرض لا يبقى . فقوله : اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ معناه : طلب أن يخلق اللّه ذلك العرض في قلبه في الزمان المستقبل . ومعلوم أن طلب تحصيله في الزمان المستقبل ، لا ينافي كونه حاصلا في الحال . الثاني : أن يكون المراد منه : الزيادة في الإسلام ، كقوله تعالى : لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وقال إبراهيم عليه السلام : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . الثالث : إن لفظ الإسلام إذا ذكر خاليا عن الصلات ، أفاد الإيمان ، أما إذا قرن بحرف اللام ، كقوله : مُسْلِمَيْنِ لَكَ فالمراد الاستسلام والانقياد والرضا ، بكل ما قضاه اللّه . فيحتمل : أن يكون المراد بقوله : اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ : ما ذكرناه . واللّه أعلم . وقوله : « الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع الفعل بخلق اللّه تعالى ، وهي في فصل المدح والذم » قلنا : دلائلنا العقلية أقوى وأجلى - على ما سبق تقريره . الحجة الثانية : قوله تعالى في آخر هذه الآية : وَتُبْ عَلَيْنا . إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « 1 » ولو كانت التوبة بخلق العبد ، لكان طلبها من اللّه جاريا مجرى أن يقول العبد : يا إلهي افعل ما أنا فاعله . فإن قيل : هذا معارض بما أن اللّه تعالى طلب التوبة منا . فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً « 2 » ولو كانت التوبة فعلا للّه تعالى ، لكان طلبها من العبد محالا . ولما ثبت التعارض ، وجب التوفيق بينهما . فنحمل قوله تعالى : وَتُبْ عَلَيْنا على التوفيق ، وفعل الألطاف ، أو على أن اللّه تعالى يقبل التوبة من العبد . والجواب : الترجيح معنا . لأن دليل العقل يقوي قولنا : إن التوبة لا تحصل إلا بخلق اللّه تعالى . وبيانه من وجهين : الأول : إنا أقمنا الدلائل القاهرة على أن القادر يمتنع أن يصدر عنه الفعل إلا عند حصول الداعي ، وأقمنا الدلائل القاهرة على أن عند حصول الداعي المرجح يجب الفعل . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى عندما لم يخلق للعبد داعية إلى التوبة ، امتنع صدور التوبة عنه ، ولما خلق فيه تلك الداعية ، وجب صدور التوبة عنه . وعلى هذا التقدير تكون التوبة إنما حصلت بتحصيل اللّه تعالى . إما بواسطة ، أو بغير واسطة . الوجه الثاني في بيان أن التوبة يمتنع حصولها إلا بتخليق اللّه تعالى : أن نقول : التوبة عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مترتبة بعضها على البعض . وتلك الثلاثة هي : العلم ، والحال ،

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 128 . ( 2 ) سورة التحريم الآية 8 .