فخر الدين الرازي
126
القضاء والقدر
وأما الثاني والثالث . وهو بيان الدلائل العقلية والسمعية ، الدالة على أن الموجد لأفعال العبد ، هو العبد . فسيأتي تقريرها إن شاء اللّه تعالى . سلمنا : أنا لا نعرف لعموم قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مخصصا . إلا أن عدم العلم بالشيء ، لا يدل على العلم بعدم الشيء ، فلا يمكننا القطع بعدم المخصص ، وحينئذ تصير هذه الدلائل ظنية . لا يقال : إنا نقيم الدلالة العقلية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد ، ونجعل تلك الدلالة العقلية مؤكدة ، لظاهر هذا النص ، ونعلم أن الدليل العقلي لا يعارضه معارض . فبهذا الطريق نعلم أن ظاهر هذا العموم سليم عن المعارض . لأنا نقول : فعلى هذا التقدير ما لم يعرفوا تلك الدلالة العقلية الدالة على أن موجد فعل العبد هو اللّه ، لا يمكنكم التمسك بهذا العموم . لكنكم إذا عرفتم ذلك الدليل ، فقد استغنيتم عن التمسك بهذا العموم . سلمنا : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى خالق لأعمال العباد ، وموجد لها . لكن لم قلتم إن ذلك ينافي كون العبد موجدا لها ؟ فإن هذا إنما يتم إذا أقمتم الدلالة على امتناع وقوع مخلوق بين خالقين . والذي يقوي هذا السؤال : هو أن عندكم فعل العبد ، فعل اللّه تعالى ، فإذا لم يمتنع حصول فعل لفاعلين ، فكيف يمتنع مخلوق لخالقين ؟ واللّه أعلم . والجواب : قوله : « لم لا يجوز أن يكون اللّه خالقا لأعمال العباد ، بمعنى : أنه مقدر لها ، وهذا التقدير مفسر بالحكم والإخبار ؟ » ؟ قلنا : هذا باطل . لأن المخبر عن هذا المعنى لا يسمى خالقا ، وإلا لكان العبد ، إذا أخبر أن الإله قديم أزلي ، عالم قادر . أن يقال : إنه خالق للإله ولقدمه وقدرته . ومعلوم أنه باطل . قوله : « لا نسلم أن لفظة « كل » تفيد الاستغراق » قلنا : والدليل عليه : أن السيد إذا قال : كل عبيدي أحرار : عتق الكل . قوله : « دلالة لفظ « كل » على الاستغراق ، دلالة ظنية » قلنا : عندنا : أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الظن . قوله : « هذا عام ، دخله التخصيص ، فلا يكون حجة » قلنا : لا نسلم أنه دخله التخصيص ، ولا نسلم وقوع لفظ الشيء على اللّه سبحانه . وقد سبق تقريره . سلمنا : أنه عام دخله التخصيص ، لكن لا نسلم أنه لا يبقى حجة . ويدل عليه وجهان : الأول : إن العام هو الذي تناول صورتين ، فصاعدا من غير حصر . ودلالته على هذه الصورة ، وعلى تلك الصورة ، إما أن تتوقف كل واحدة منهما على الأخرى ، فيلزم الدور ، أو تتوقف إحداهما على الأخرى ، ولا تتوقف الأخرى على الأولى ، فيلزم الترجيح لا لمرجح ، أو لا تتوقف واحدة منهما على الأخرى . وحينئذ لا يلزم من زوال إحداهما ، زوال الأخرى . وهو المطلوب .