فخر الدين الرازي
121
القضاء والقدر
جلده . ولا ننكر أن أفعال العباد ، بالنسبة إلى جميع مخلوقات اللّه تعالى ، كالقليل بالنسبة إلى الكثير ، فلم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : « خالق كل شيء » : ما سوى أفعال العباد « 1 » ؟ . لا يقال : لفظ الكل حقيقة في الاستغراق . لأنا نقول : هذا مدفوع من وجهين : الأول : لا نسلم أن لفظ « كل » مجاز في الأغلب . فما الدليل عليه ؟ الثاني : سلمنا أنه كذلك ، إلا أنه مجاز متعارف مشهور . فالقول بأنه لا يجوز حمل هذا اللفظ على مثل هذا المجاز ، لا يفيد إلا الظن . وهذه المسألة قطعية . والدليل الظني لا يجوز التمسك به في المسألة القطعية . وعلى هذا الحرف تعويل أهل السنة والجماعة ، في الجواب عن استدلال المعتزلة بالعمومات في مسألة الوعيد . سلمنا : أن لفظ « كل » يفيد العموم . إلا أن هذه الآية عام ، دخله التخصيص ، فوجب أن لا يكون حجة . إنما قلنا : إنه عام . دخله التخصيص ، لأنه تعالى شيء . ويمتنع أن يكون خالقا لنفسه . لا يقال : لا نسلم أن هذه الآية قد دخلها التخصيص . وبيانه من وجهين : الأول : لا نسلم أن اسم الشيء يقع على اللّه تعالى . ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 2 » والكاف معناه : المثل . فصار تقدير الآية :
--> ( 1 ) أعلم أنه حتى على مذهب من جعل اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ غير مستغرقة فإن القسم غير المستغرق لا يعني مطلقا أنه خاص بأفعال العباد . وإثبات ذلك يقتضي دليلا مستقلا آخر ومخصصا . وهو ما لا يستطيعون إثباته . ( 2 ) سورة الشورى الآية 11 . وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال : الأول : المراد بذكر المثل المبالغة في النفي بطريق الكناية . فإنه إذا نفي عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى . كقولهم : مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود . والكناية باب مسلوك للعرب ومهيع مألوف لهم ومنه قول الشاعر : ليس كمثل الفتى زهير * خلق يوازيه في الفضائل وقال آخر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم * فما كمثلهم في الناس من أحد وقال آخر : على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وإن بات من ليلى على اليأس طاويا وقال ابن قتيبة : العرب تقيم المثل مقام النفس . فتقول : مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي » . فالمراد من « مثله » ذاته . وإذا نفي عمن يسد مسدّه فقد نفي عنه . القول الثاني : الكاف زائدة للتوكيد . والمعنى ليس مثله شيء . وقال العكبري في « التبيان في إعراب القرآن » : إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال إذ يكون المعنى : إن له مثلا وليس لمثله مثل . وفي ذلك تناقض . لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل ، وهو هو مع أن إثبات المثل له سبحانه محال . القول الثالث : « مثل » زائدة . ورجحه الطبري وذلك كالكاف في قوله : فأصبحت مثل كعصف مأكول . وقوله : « صاليات ككما يوثفين » وقال أبو حيان في « البحر المحيط » : ليس بجيد لأن مثلا اسم والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة » . وذكر الزمخشري قول الطبري ولكنه صدره بقوله : ولك أن تزعم . . . » وقال بأن « مثل » زائدة أيضا ثعلب وغيره . ومثلوا له بقوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ وبقول الشاعر ( أوس بن حجر ) : وقتلي كمثل جذوع النخي * ل يغشاهم مطر منهمر وهكذا فإن التقدير يكون ( ليس كهو شيء ) أو ( ليس كاللّه شيء ) . وقد رد هذا القول أيضا العكبري . -