فخر الدين الرازي

119

القضاء والقدر

لذاته . لا يترجح عدمه على وجوده ، ووجوده على عدمه ، إلا بترجيح الواجب لذاته . وقد قررنا هذه النكتة في باب الدلائل العقلية . فيثبت : أنه تعالى هو الخالق والموجد والمقدر لجميع الممكنات . ولما كان فعل العبد من جملة الممكنات ، وجب دخوله في هذه القضية . فثبت : أن ظاهر قوله سبحانه : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قد تأكد بهذا البرهان العقلي القاطع . وأما الثاني : فهو أنه تعالى ذكر هذه الآية في مواضع من كتابه : إحداها : قوله تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ . خَلَقُوا كَخَلْقِهِ . فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ . قُلِ : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ « 1 » وثانيها : قوله تعالى : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . فَاعْبُدُوهُ « 2 » وثالثها : قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 3 » ورابعها : قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ . فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً « 4 » . فإن قيل : دليلكم ينتج أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى . ونحن نقول بموجبه . وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير . وعندنا : أن أفعال العباد واقعة بتقدير اللّه تعالى ، وإن كانت حاصلة بإيجاد العبد وإحداثه . لا يقال : هذا مدفوع من وجهين : الأول : إن التقدير عبارة عن الفكرة والروية والظن والحسبان . وذلك في حق اللّه تعالى ممتنع . ولما امتنع حمل كونه خالقا لأفعال العباد ، على معنى التقدير ، وجب حمله على معنى الإحداث . الثاني : هب أن كونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، عبارة عن كونه تعالى مقدرا لها إلا أن التقدير عبارة عن إيقاع ذلك الفعل في زمان مخصوص ، ومحل مخصوص ، على وجه مخصوص . وهذا المعنى لا يتأتى إلا ممن كان محدثا للفعل . فلما ثبت بهذا النص : أنه تعالى مقدر لأفعال العباد ، وثبت بالعقل : أن مقدر الأفعال يجب أن يكون موجدا لها ، لزم من مجموع الأمرين كونه تعالى موجدا لأفعال العباد . لأنا نقول : أما الأول . فجوابه : إن التقدير عبارة عن إيقاع الفعل على قدر مخصوص . وهذا المعنى لا يحصل إلا بالعلم أو الظن . ثم إن كان العلم حاصلا ، كما في حق اللّه تعالى ، فلا حاجة إلى الفكرة ، وإن لم يكن حاصلا كما في حق العبد . فهناك يحتاج إلى الفكرة لتحصيل ذلك العلم . أو ذلك الظن . وأما السؤال الثاني : فجوابه : أن نقول : إنه تعالى مقدر لأفعال العباد . بمعنى أنه تعالى

--> ( 1 ) سورة الرعد الآية 16 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 102 . ( 3 ) سورة الأنعام الآية 101 . ( 4 ) سورة الفرقان الآية 25 .