فخر الدين الرازي
106
القضاء والقدر
بمقتضياتها على عدم المعارض العقلي . إلا أن ذلك مظنون لا معلوم . التاسع : وهو أن الدليل النقلي . إما أن يكون قاطعا في متنه ودلالته ، أو لا يكون كذلك . أما القاطع في المتن . فهو الذي علم بالتواتر اليقيني صحته ، وأما القاطع في دلالته فهو الذي حصل اليقين بأنه لا يحتمل معنى آخر سوى هذا الواحد . فنقول : لو حصل دليل لفظي بهذه الشرائط ، لوجب أن يعلم كل العقلاء صحة القول بذلك المذهب . مثاله : إذا استدللنا بآية أو بخبر على أن اللّه تعالى خالق لأعمال العباد . فهذا إنما يتم لو كانت تلك الآية ، وذلك الخبر مرويا بطريق التواتر القاطع ، وأن تكون « 1 » دلالة تلك الآية وذلك الخبر على هذا المظنون غير محتمل البتة ، لوجه آخر . احتمالا راجحا أو مرجوحا . وإلا لصارت تلك الدلالة ظنية . ولو حصل دليل سمعي لهذا الشرط لوجب أن يعرف كل المسلمين صحة ذلك المطلوب بالضرورة ، من دين محمد عليه الصلاة والسلام . ولو كان الأمر كذلك ، لما اختلف أهل الإسلام في هذه المسألة ، مع إطباقهم على أن القرآن حجة . ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن شيئا من هذه الآيات ، لا يدل على هذا المطلوب ، دلالة قطعية يقينية . بل كل آية يتمسك بها أحد الخصمين ، فإنه لا بد وأن يكون محتملا لسائر التأويلات ، ولا يمكننا دفع تلك التأويلات إلا بالترجيحات الظنية والمدافعات الإقناعية . ومعلوم أن كل ذلك يفيد الظن . العاشر : إن دلالة ألفاظ القرآن على هذا المطلوب . إما أن تكون دلالة مانعة من النقيض أو غير مانعة منه . والأول باطل . أما أولا فلأن الدلائل اللفظية : وضعية والوضعيات لا تكون مانعة من النقيض . وأما ثانيا : فلأن هذه الدلائل ، لو كانت مانعة من النقيض . لكان الصحابة والتابعون أولى الناس بالوقوف عليها والإحاطة بمعانيها ، لأنهم كانوا أرباب تلك اللغة . ولو كان الأمر كذلك ، لكانوا عالمين بالضرورة بأن القول بصحة هذا المطلوب : من دين محمد عليه الصلاة والسلام . ولو كان الأمر كذلك ، لما وقع الاختلاف في هذه المسألة قديما وحديثا ، بين أمة محمد عليه الصلاة والسلام . فثبت : أن دلالة هذه الألفاظ على هذه المطالب ، ليست دلائل قاطعة مانعة عن النقيض ، بل هي محتملة للنقيض . ومتى كان الأمر كذلك ، كانت دلالة الدلائل اللفظية ، ليست إلا ظنية . فثبت بهذه الوجوه العشرة : أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الظن . وظاهر أن هذه المسألة يقينية ، والتمسك بالدليل الظني في المطلوب اليقيني : باطل قطعا « 1 » .
--> ( 1 ) لا بد من وقفة تأمل في هذا القانون الذي أحال الرازي به النصوص إلى مجموعة ظنيات إن لم يكن في الثبوت ففي الدلالة . واعتبار الدليل العقلي هو الدليل الخالي من الظن ، بل هو حاكم على الظني لأنه قاطع ولأنه أصل والدليل النقلي فرع . ولنا على الرازي عدة تساؤلات :