أحمد بن الحسين البيهقي

79

كتاب القضاء والقدر

القول الثالث : قول الأشاعرة - ومن وافقهم - وهؤلاء وإن خالفوا خصومهم المعتزلة ووافقوا أهل السنّة والجماعة فقالوا : إنّ اللّه خالق أفعال العباد ، إلّا أنّهم قالوا في قدرة العبد وإرادته واستطاعته قولا لم يسبقهم إليه أحد . إذ قالوا : إن للعبد قدرة على إحداث فعله - وهذا حق - ولكنّهم زعموا أن هذه قدرة لا تأثير لها في إحداث الفعل البتة ، وهذا ما يعبرون عنه ب « الكسب » وهو ما وصفه العلّامة ابن قيم الجوزية بأنّه « لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته » « 1 » . بل هو كلام متناقض غير معقول ، فإنّ القدرة إذا لم يكن لها تأثير أصلا في الفعل كان وجودها كعدمها ، ولم تكن قدرة ، إذا من محالات العقول إثبات قدرة لا أثر لها بوجه البتة ، بل هو كنفي القدرة أصلا « 2 » ، وهو ما اعترف به عدد من محققي المذهب الأشعري أنفسهم « 3 » . ولذا سخر منهم خصومهم المعتزلة وسائر العقلاء فقالوا : ثلاثة أشياء لا حقيقة لها : طفرة النظّام ، وأحوال أبي هاشم ، وكسب الأشعريّ « 4 » . الأمر الذي اضطربت معه أقوال اتباعه واختلفت حتى ذهب كل منهم إلى رأي ، وفرّ إلى قول ، لما رأوا ما في هذا القول من التناقض « 5 » . فنحا فريق منهم إلى التصريح بحقيقة المذهب - وهو الجبر - واقترب البعض من مذهب أهل السنّة « 6 » ، وسعى آخرون إلى النهوض

--> ( 1 ) « شفاء العليل » ( ص 313 ) . ( 2 ) كالإيجي ، والجويني ، والرازي وغيرهم وانظر : « العلم الشامخ » للمقبليّ ( ص 264 ) . ( 3 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 128 ) و ( 8 / 466 - 467 ) . ( 4 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 128 ) . ( 5 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 128 ) . ( 6 ) كأبي المعالي الجويني في « العقيدة النظامية » ( ص : 43 - 56 ) .