أحمد بن الحسين البيهقي

55

كتاب القضاء والقدر

ولم يقف الأمر عند ذلك ، بل تبعه خلاف مرير ودقيق بين أصحاب كل مذهب من المذاهب المتقدمة الذكر أدى إلى انقسامها إلى عشرات الأقسام كل قسم يكفر الآخر أو يضلله . وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ . يقول العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه اللّه - واصفا ذلك كله « وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد ، وأخذوا في كل طريق ، وتولجوا كلّ مضيق ، وركبوا كل صعب وذلول ، وقصدوا الوصول إلى معرفته ، والوقوف على حقيقته ، وتكلّمت فيه الأمم قديما وحديثا ، وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا حثيثا ، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها ، وصنّف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها . فلا أحد إلّا وهو يحدّث نفسه بهذا الشأن ، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان ، فتراه إما مترددا فيه مع نفسه ، أو مناظرا لبني جنسه ، وكل قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه ، ولا يرتضي إلا إياه . وكلهم - إلّا من تمسك بالوحي - عن طريق الصواب مردود ، وباب الهدى في وجهه مسدود ، تحسّى علما غير طائل ، وارتوى من ماء آسن ، قد طاف على أبواب الأفكار ، ففاز بأخسّ الآراء والمطالب ، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، وقدّم آراء من أحسن به الظنّ على الوحي المنزل المشروع ، والنصّ المرفوع ، حيران يأتم بكل حيران ، يحسب كلّ سراب شرابا ، فهو طول عمره ظمآن ، ينادى إلى الصواب من مكان بعيد ، أقبل إلى الهدى ، فلا يستجيب إلى يوم الوعيد ، قد فرح بما عنده من الضلال ، وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال ، منعه الكفر الذي اعتقده هدى وما هو ببالغه عن الهداة المهتدين ، ولسان حاله أو قاله يقول : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ « 1 » ولمّا كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر على أسماء اللّه وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره ، فأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ذلك من مشكاة الوحي المبين

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية رقم ( 53 ) .