أحمد بن الحسين البيهقي

31

كتاب القضاء والقدر

ربط الكون بعضه ببعض ، ونظم بعضه ببعض ، وواجد بعضه ببعض » « 1 » . « والذي عليه أهل السنة هو أنّ المقدور قدر بأسباب ، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور ، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء ، وقدر حصول الزرع بالبذر ، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه ، وكذلك قدر دخول الجنّة بالأعمال ، ودخول النّار بالأعمال » « 2 » والقرآن والسنّة مملوءان بأنّه يخلق الأشياء بالأسباب لا كما يقول أتباع جهم من الأشاعرة وغيرهم أنّه يفعل عندهم لا بها ، كقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقوله : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وقوله : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ، وأمثال هذا في القرآن يزيد على ألف موضوع ، والقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر أو الأحكام الكونية والأمرية على الأسباب ، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال » « 3 » . ومع ظهور تهافت هذا القول - ( إنكار تأثير الأسباب في مسبباتها ) إلّا أننا نجد البيهقيّ يصرّ على اقتفاء أثر أسلافه الأشاعرة بما أورده عن الخطابي في التعليق على حديث عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جنازة . . الحديث « 4 » . ثم رام اختصار ذلك المعنى كلّه في جملة موجزة ، فعقب بقول سهل بن محمد الصعلوكي - أحد الأشاعرة - « أعمالنا أعلام الثواب والعقاب » « 5 » .

--> ( 1 ) « الرياض الناضرة » للشيخ ابن سعدي . ( 2 ) « الجواب الكافي » ( ص 17 ) . ( 3 ) « الجواب الكافي » ( ص 17 ) . ( 4 ) الحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير ( 4945 ) باب : وصدق بالحسنى . ( 5 ) التعليق على حديث رقم ( 50 ) من هذا الكتاب .