أحمد بن الحسين البيهقي
120
كتاب القضاء والقدر
تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ « 1 » أيّ : خلقهن . قال أبو سليمان : وإنّما حجه آدم - عليهما السلام - في دفع اللوم ، إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدا ، وقد جاء في الحديث : انظروا إلى الناس كأنّكم عبيد ، ولا تنظروا إليهم كأنّكم أرباب . فأمّا الحكم الذي تنازعاه فهما في ذلك على السواء ، لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر ، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب ، ومن فعل واحدا منهما خرج عن القصد إلى أحد الطرفين من مذهب القدر أو الجبر . وفي قول آدم أنت موسى الذي اصطفاك اللّه برسالته وبكلامه أتلومني على أمر قدّر عليّ قبل أن أخلق ؟ استقصارا لعلم موسى يقول : إذ قد جعلك اللّه بالصفة التي أنت بها من الاصطفاء بالرسالات والكلام ، كيف يسعك أن تلومني على القدر المقدور الذي لا مدفع له ؟ ! فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : فحجّ آدم موسى . وحقيقته : أنّه دفع حجة موسى التي « 2 » ألزمه بها اللوم ؛ وذلك أنّ الابتداء بالمسألة والاعتراض إنّما كان من موسى ، ولم يكن من آدم إنكارا لما اقترفه من الذنب إنّما عارضه بأمر كان فيه دفع اللوم ، فكان أصوب الرأيين ما ذهب إليه آدم ، فقصه المصطفى صلّى اللّه عليه [ وسلّم ] « 3 » .
--> - يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة ، يوضحه أن آدم قال لموسى : أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به ، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ؛ ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا ، فيلومه عليه لائم ، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادة غير اللّه ؛ فقالوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا و لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه ، وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده . . . ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر ، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل » اه « شفاء العليل » لابن القيم ( ص 17 - 18 ) . ( 1 ) سورة فصلت ، الآية ( 12 ) . ( 2 ) في الأصل جاء النص هكذا « موسى الذي التي » فحذفنا « الذي » لاستقامة النص بدونها . ( 3 ) ساقطة من الأصل .