الشيخ محمد جميل حمود
462
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
كثّروا السّواد على مولى الأحرار الحسين بن علي عليه السّلام في صحراء كربلاء ، لأن الدعاء لهؤلاء نوع من الرضى عنهم وعن تصرّفاتهم ولو بحسب الظاهر بنظر المسلمين ، فيكون تغريرا بالقبيح وهو قبيح . من هنا لم يتقدّم أمير المؤمنين عليه السّلام خطوة واحدة نحو الفتوحات التي طالما تشدّق بها العامة وجعلوها من الأدلة على إمامة أبي بكر وعمر بن الخطاب ، مع أنها لم تجرّ إلى الإسلام سوى العار والشّنار ! ! والحكمة من عدم مشاركة أمير المؤمنين عليه السّلام في الفتوحات في عهود المغتصبين الثلاثة يرجع إلى أمرين : الأول : حرمة دعم هؤلاء لكونهم مالوا عن الحق واعتدوا على الحرمات ، لأن في دعمهم تضعيف عقائد المؤمنين وتوهين شريعة سيّد المرسلين ، والإغراء بالقبيح ، هذا مضافا إلى أنهم لم يطلبوا بهذه الفتوحات وجه اللّه والقرب منه بل كلّ همّهم الحصول على النفائس وصوافي الغنائم والاختصاص بالحسناوات من النساء بعنوان سبايا وجواري . . . وعلى كلّ حال فإن الحرب من أجل بسط نفوذهم وتقوية أمرهم ، فصاروا يجمعون الأنصار بالمال وبالإغراء بالمناصب وبغير ذلك من سياسات ، ليس الترهيب والقمع في كثير من الأحيان إلّا واحدا منها ، فالحرب من أجل الغنائم والأموال كانت هي الصفة المميزة لأكثر تلك الفتوحات ، ويشهد لهذا ما فعلوه بأمير المؤمنين عليه السّلام ورسول اللّه مسجّى على الفراش ، ثم انتهاكهم لحرمة ابنته الزهراء ومنعها من الخمس واغتصابهم لفدك وغير ذلك لأكبر شاهد على ما قلنا ، هذا مضافا إلى أن ظاهرة الطمع في الأموال والنفائس كانت سائدة بين بعض المسلمين على عهد رسول اللّه ممّا سبّب انكسار المسلمين في معركة أحد ، وبقيت هذه الظاهرة إلى ما بعد وفاة النبي ، بل لا نبالغ إذا ما قلنا أنها ازدادت عمّا كانت عليه في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . الثاني : إنّ ضعف الإيمان في نفوس المسلمين وعدم معرفتهم بأكثر أحكام دينهم استدعى عدم مشاركته عليه السّلام في تلك الفتوحات ، هذا علاوة على أنّه لم يأمر أحدا من أصحابه بالمشاركة فيها ، لأنّ مهمته عليه السّلام وأصحابه معه هي تثقيف الناس بعقائدهم وتثبيت الإيمان في نفوسهم ونشر فكر الإسلام الصحيح للأمّة ، وللمتصدّين لإدارة شؤونها على حد سواء وقد نوّه بذلك عليه السّلام في خطبة له فقال : « أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه يموت من مات منّا وليس بميّت . . . ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر ، قد