الشيخ محمد جميل حمود
413
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
واعتقد بأن اللّه سيقبل توبته وأنّ رجوعه سيغيّر مصيره في الآخرة ، فعند ذلك سيترك العصيان ويستغفر لذنوبه ويطلب الإغضاء عن سيئاته ، فهذا الاعتقاد يولّد اشراقة أمل وبصيص نور في النفس لتسلك طريق الطاعة والعبادة والفضيلة ، فالاعتقاد بالشفاعة مثل الاعتقاد بأنّ اللّه سيغفر للعاصي ، لأنّ المشفوع له إذا اعتقد بأن أولياء اللّه تعالى سيشفعون في حقّه ضمن شرائط معينة بحيث لم يبلغ حدّا لا تنفع معه شفاعة الشافعين ، فعند ذلك سوف يعيد النظر في مسيره ويحاول تطبيق نفسه على شرائط الشفاعة حتى يستحقّها . فالشفاعة الموجبة للتجرّؤ ومواصلة العناد والتمرد هي الاعتقاد بأنّ الأنبياء والأولياء سيشفعون في حقه يوم القيامة على كلّ حال حتى ولو كفر باللّه وقتل الأنبياء والأولياء ، وقد يغفر اللّه لقاتل الإمام الحسين بن علي عليهما السّلام وأئمة آل البيت عليهم السّلام بنظر هؤلاء الذين فهموا الشفاعة فهما منكوسا . إنّ الشفاعة المقبولة هي التي لم يقطع المشفوع له العلائق الروحية مع الشافعين بحيث لا يتمرّد عليهم قلبا ، فما دامت الوشائج الروحية باقية مع الشافعين ولم يصل التمرّد إلى حد القطيعة فإن الشفاعة حينئذ تبقى معقولة ومقبولة . فالعاصي يستحقّ العقاب لعصيانه ، ويستحقّ الرحمة لاعتقاده ، واللّه سبحانه عندما تقبّل شفاعة الشفيع في العاصي وهو عالم بها منذ الأزل ( لأنّ إرادته لا تغيّر من علمه ) ومريد لها لحسن اعتقاد العاصي ، فالإرادة كانت حاصلة اللّه تعالى مذ علمه الأزلي لا سيما على المبنى القائل بأنّ الإرادة من صفات الذات لا الأفعال ، فعند ما نقول : إنّ اللّه مريد أي عالم باشتمال الفعل على المصلحة الداعية إلى إيجاده ، فقبول اللّه لشفاعة الشفيع يستلزم إرادته تعالى لها لعلمه أن المصلحة هي في قبول شفاعته ليظهر فضل الشفيع ، فالإرادة بمعنى علمه بالمصلحة ، فإرادته عزّ وجل تعلّقات بالمغفرة قبل وبعد الشفاعة ، فاللّه هو الذي ألهم الشفيع أن يشفع للمشفوع له ، لأنّ الشفاعة فرع رحمته الرحيمية المطلقة ، وعلى المبنى القائل بأن الإرادة من صفات الأفعال تكون إرادته عزّ وجل قد تعلّقت بالمغفرة بعد طلب الشفيع ، لكن ليس بمعنى أنه عزّ وجلّ لم يكن راضيا أن يغفر للمشفوع له ثم رضي عنه نتيجة توسّط الشفيع ، بل أنه كان مريدا لها قبل شفاعة الشفيع فارتأت المصلحة ( كما قلنا أن الإرادة - وكما فسرها المتكلّمون - هي علمه باشتمال الفعل على المصلحة الداعية إلى إيجاده ) أن يربطها - أي المغفرة -