الشيخ محمد جميل حمود
412
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
خلاف الأدلة النقلية والعقلية ، وأمّا الشفاعة التي يفهمها الشيعة والسنة طبقا للموازين الشرعية والضوابط العقلية فهذا ممّا لا ريب فيه ولا شك يعتريه . ( 2 ) إنّ الخلط بين الشفاعة السائدة في المجتمع المادّي والشفاعة المصطلحة أدّى إلى استنكار الطنطاوي لبعض تفاصيل الشفاعة ، لأنها لو كانت عاملا للجرأة على المعاصي لكان الوعد بالمغفرة عاملا للجرأة أيضا ، مع أن اللّه سبحانه وعد بها بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ( النساء / 117 ) . وهل يصحّ أن يقال هنا : إنّ اللّه تعالى جرّأ العصاة على المعصية لأنه وعدهم بالمغفرة ؟ ! . . . إنّ اللّه سبحانه كما وعد بالمغفرة ( ومنها الشفاعة ) كذا أوعد بالعقاب كما قال تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( الرعد / 7 ) وكما في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ( النساء / 32 ) . فهل يجد المستشكل الطنطاوي وأمثاله في نفسه أنّ هذا التشريع يوجب جرأة على ارتكاب بعض السيئات رجاء غفرانها بالاجتناب من الكبائر ؟ ! ( 3 ) إنّ الشفاعة بمعناها القرآني تبعث الأمل في نفوس العصاة حتى لا ييأسوا من روح اللّه ورحمته ، فلا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه فيتمادوا في العصيان . وهذا الاعتقاد بالرغم من أنّ البعض لاقاه بالاعتراض من حيث إنه يوجب الجرأة ويحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين ، لكنه وكما نعتقد يتسبّب في إصلاح سلوك المجرم فيعود للتوبة والإنابة . ومن هنا يتوضح لك الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة - من دون ارتباط بالشفاعة - فإنّه لو كان باب التوبة موصدا في وجه العصاة والمذنبين ، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرّة واحدة أو مرات سيخلّده في نار جهنم فلا ريب أنّ هذا الاعتقاد سيوجب التمادي في اقتراف السيئات وارتكاب الذنوب ، لأنه يعتقد حينئذ بأنّه لو غيّر وضعه وسلوكه في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثرا في مصيره وخلوده في عذاب اللّه ، فلا وجه لأن يترك المعاصي ما دام لن يخرج من نار جهنم ، بل سيستمرّ على وضعه السابق حتى يوافيه الأجل ، وهذا بخلاف ما إذا وجد الجوّ مشرقا والطريق مفتوحا ،