الشيخ محمد جميل حمود

375

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية

وقد يستجاب لهم نتيجة اقتضاءات كونية أو لمصالح وجودية يتوقف عليها النظام الوجودي للعالم ، وقد يكون في إجابتهم مصالح تخفى على العباد . وقد يستجاب لهم ثوابا معجّلا في دار الدنيا دون حظ الآخرة وذلك حظهم من انتحالهم بعض الخير ولا يضيع في باب عظمة اللّه وجلاله عمل عامل وكلّ يناله نصيبه ، وهذا يزيد في رجاء الراجين وإحسان ظنّ المؤمنين . النقطة الثانية : في أنّ الدعاء من تخطيطات العبودية : بما أنّ اللّه سبحانه غني عن خلقه بالكليّة ، لا حاجة به إلى شيء من خلقه ولا انتساب له مع أحد من خلقه ولا مماثلة له ولا مشاكلة ولا مجانسة ، فلا يعطي بمقتضى ذاته أي لأجل ذاته ، لأن كل ذلك يستلزم الحدوث . واللّه تعالى وإن كان هو المبتدئ بالنعم قبل أن تسأله بلسانك ولكن لا يعقل ( مقبول بلا قابل ، وعطاء بلا سائل ) . ففي طلب لعبد منه سبحانه بالدعاء نوع انكسار وتواضع إلى جناب الحق تعالى ، وغير الداعي مستكبر على ساحته عزّ وجل وفيه ما يوجب السخط والبعد والشقاء عن العزّة الإلهية والرحمة الربوبية . فلا بدّ للعبد بأن يدعوه ويرفع إليه أكفّ حاجته ويتوجّه إليه بكلّه بوجه حاجته حتى يقدّر له ويقضي حاجته ويعطاها ويختص به الفيض العام ، والفضل الشامل الدائم المتواصل ، ولولا دعاء العبد إليه سبحانه ورفع الأكفّ إليه تعالى وتوجهه نحو خالق الوجود لم يختص به شيء ولم يظهر عليه فضل ولم يقع في كفه عطاء أبدا قال تعالى : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . فمن لم يدع لم ينل شيئا في الدنيا والآخرة ؛ والدعاء في الحقيقة هو تخطيطات العبودية ، وأحكام الشريعة حدود العبودية ، والعبودية هي الانقياد للرب والانقطاع إليه عن نفسه وما سواه وذلك الانقياد والانقطاع هو مجلبة كل خير ومدفعة كل شرّ . وحيث إن الدعاء من تخطيطات العبودية فتاركه خارج عن حدّ العبيد قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ فسمّى الدعاء عبادة وتاركه مستكبرا فكلما كمل العبد في مقام العبودية كثر دعاؤه وتضرعه ومسألته ، وكلما كثر دعاؤه كثرت إجابته وكثرت مسئولاته ومطلوباته