الشيخ محمد جميل حمود
201
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
واكتفى بذلك ، وهو كاف في ردعهم وبيان فضل عليّ عليه السّلام وإنّ ما فعله عليه السّلام هو الصواب ، وحديث الغدير كان في الثامن عشر من ذي الحجّة بعد انقضاء الحجّ ورجوعه إلى المدينة ، ولو كان ما وقع يوم الغدير هو لمجرّد ردعهم وبيان خطأهم في شكايتهم من الإمام عليّ لمقاله بمكّة واكتفى به ولم يؤخّره إلى رجوعه . وزعم صاحب السيرة الحلبيّة أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال ذلك بمكّة لبريدة وحده ، ثمّ لمّا وصل إلى غدير خمّ أحبّ أن يقوله للصحابة عموما ، وهذا يكذّبه ما سمعته من قول أبي سعيد الخدريّ أحد الصحابة فقام خطيبا - أي قام في أصحابه عموما - وأعلن ذلك في خطبته على المنبر وعلى رؤوس الأشهاد . وقوله : ذلك بمكّة أعم وأشمل لوجود الحجيج كلّهم ومنهم أهل مكة وما حولها الذين لم يكونوا معه في غدير خم ، فلو كان الغرض تبليغ عموم الصحابة ما وقع في مسألة اليمن لما أخره إلى غدير خم ، لكنّه لمّا نزل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وهو في الطريق بلّغهم إيّاه في غدير خمّ حين نزلت عليه الآية ، فهما واقعتان لا دخل لإحداهما في الأخرى ، وخلط إحداهما بالأخرى نوع من الخلط والخبط والغمط . مع أنّ روايات الغدير - مع اعتراف ابن كثير وروايته « 1 » لها - تنصّ على أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقف حتى لحقه من بعده وأمر برد من كان تقدم فخطبهم ، وهذا يدلّ على أنه لأمر حدث في ذلك المكان ، وهو نزول الوحي عليه ، ولو كان لتبليغ عموم الصحابة لم يؤخره إلى غدير خم ، بل كان يقوله في بعض المنازل قبله أو في مكة ، فأمره بالنزول وهو في أثناء السير وانتظار من تخلّف وأمره بردّ من تقدم ، يدلّ على أنه لأمر حدث في ذلك الوقت ، مع أنه قال هذا الكلام عقيب الأمر بالتمسّك بالكتاب والعترة ، وبيان أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض - وقد روى ذلك ابن كثير نفسه في كتابه - الذي هو تمهيد لما بعده ، فدلّ على أنه لأمر أهم من مسألة اليمن . على أننا إنما نستدلّ بقوله : « من كنت مولاه فعلي مولاه » عقيب قوله :
--> ( 1 ) البداية والنهاية : ج 5 ص 162 .