الشيخ محمد جميل حمود
127
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
من الطبائع النارية كما عبّر عنها القرآن العزيز بقوله تعالى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( الرحمن / 16 ) . فالمخلوق الجني له قدرات خارقة للعادة بطبيعة ما أودع الخالق العظيم فيه من الطاقات العظيمة بحيث يخرق المادة بسهولة من دون أن يصيبها تصدّع أو تخلخل ، كما أنه قادر على قطع المسافات الطويلة بلحظات قليلة جدا التي يعجز عن قطعها الآدمي بساعات أو شهور عبر الطائرات النفاثة وغيرها . مضافا إلى ذلك فإنّ القرآن يصف لنا أنّ هذه المخلوقات الخفية عن أنظارنا - والتي من بينها إبليس اللعين - تتمتع بمزايا خارقة جدا تفوق مزايا الإنس في عالمنا المادي ، كأن تكون قادرة على التسلل إلى النفس الإنسانية لها وتمنّيها ، وأن تكون قادرة على التصرّف مع مسائل الزمان والمكان بقدرات أكبر من القدرات الإنسانية كما تشير الآيات عمّا يفعله إبليس بالعباد وما يمتلك من ولاية على القلوب والأجساد . قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 83 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( ص / 83 - 84 ) . ولا يكون الإغواء إلّا عبر التسلل إلى النفس الإنسانية ، ويؤيده ما ورد أنّ إبليس يجري في بني آدم كجريان الدم في العروق وقال تعالى أيضا : قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( النمل / 40 ) . فللعفريت الجني القدرة الفعلية الخارقة ليأتي بعرش بلقيس بلحظة ، وهو مع هذا ليس في مقام تثبيت نبوته أو إمامته لأنّ مقامي النبوة والإمامة من مختصات الإنس دون غيرهم ، فما ادّعاه من ينكر الولاية التكوينية من « أن اللّه قد أعطى للأنبياء القيام بالمعاجز لحاجة النبوة إلى ذلك أمام التحديات الموجّهة إليهم » غير سديد ويحتاج إلى دليل قاطع . فما ثبت للجن من قدرتهم على التحكّم والسيطرة على بعض العوالم المادية ، يثبت أيضا بطريق أولى للملائكة الموكلين بحفظ هذا النظام وليس هناك أي مانع عقلي أو شرعي من أن يطّلع الإنسان على ما في عالمي الجن والملائكة ، بل والتصرّف بمقاديرهما وذلك من خلال تخطي عتبة معينة من عتبات المعرفة